هل البلد ضعيفة؟ أو خربانة، كما قام بتشريح الوصف الزميل سميح المعايطة في مقاله قبل فترة وجيزة ومرافعته المهمة لمصلحة الدولة الأردنية؟ ما الذي تغير في الأردن؟
مبدئياً، أوصاف مثل ضعيفة أو قوية، مستقرة أو خربانة، كلها تنتج من المقارنة، وباستعراض الأوضاع العامة في العالم العربي والدول الغربية، نجد أن الأردن لم تتغير مكانته النسبية في المنظومة، وما يحدث في الأردن أمور عارضة وبسيطة مقارنة بما يحدث في دول أخرى كثيرة، والأمر يدفعنا للنظر في ماهية المنظومة ككل وما الذي يعتريها من خلل.
لدينا مثالان لتحديد ما الذي يحدث في العالم، ففي الأشهر الماضية تعرضت القوات الروسية في سوريا ومصافي النفط السعودية لضربات مؤثرة باستخدام الطائرات المسيرة (الدرون)، وهي الضربات لم تكن لتحدث أي ضرر جسيم لو نفذت بأسلحة تقليدية، إذ تعتبر القوات الروسية والسعودية مجهزة بالأسلحة الدفاعية اللازمة للتعامل مع الأخطار التقليدية، والمثال الثاني يتعلق بالتهديدات التي تعاني منها الدولة المصرية نتيجة اتهامات أحد المقاولين المتعاملين معها والتي يطلقها من خلال موقع اليوتيوب مستخدماً كاميرا الهاتف وقدرته على تحريك الشارع والمزاج العام بهذه الأدوات البسيطة.
العالم يتغير بطريقة مختلفة، ونحن نعيش في فترة انتقالية تتميز بسيولة عالية، فالجميع يشارك ويتفاعل وتوجد الكثير من المعلومات والأخبار التي تجعل الحقيقة مهما كانت بدهية غائبة في خضم هذه الحالة غير المسبوقة من الزخم، فقبل ثلاثين أو أربعين عاماً كان صناع الرأي والمشاركون في صياغة الوعي يعدون بالعشرات ممن يمكنهم الحصول على مساحة في صحيفة يومية أو أسبوعية، أو لقاء تلفزيوني لا يمتد لأكثر من نصف ساعة، بينما لا يمكن حالياً الوقوف على أعداد المشاركين في هذه العملية نظراً لسهولة الوصول إلى المنصات الخاصة بالتواصل.
على سيرة السيولة، والقلق العام الذي يعايشه الجميع، خاصة أمام فيض من المعلومات المتضاربة التي تجعل التصديق أمراً متعذراً واليقين في عداد المستحيلات، فالحالة التي يعايشها الأردن والعالم في معظمه وصفها عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في كتابه الخوف السائل وتحليله الذي أفضى إلى أن الحداثة فشلت في تحرير الإنسان من الخوف، وفوق ذلك، عملت على توزيع الخوف على الأفراد بعد أن كانت الدولة هي الطرف الذي تتحمله.
ننتقل إلى نسخة جديدة من الدولة ومن علاقات الإنسان السياسية والاقتصادية، ويتغير أسلوب حياة الكائن الإنساني باطراد مع تبنيه للتكنولوجيا والانفتاح السياسي، وتبقى القدرة على المقاومة resiliency عاملاً حاسماً في رحلة المستقبل، والأردن يستطيع بناء على خبرته التاريخية أن يتجاوز الأوقات العصيبة لتحقيق أفضل الممكن، فلا دولة ولا شعب ولا حتى فرد يمكن أن يتحدى منطق التاريخ.
يبقى من المهم التمييز بين جلد الذات غير المنتج من ناحية، وبين ضرورة النقد المتواصل والمسؤول من ناحية أخرى.
الأردن.. بين جلد الذات والنقد المسؤول
11:00 5-10-2019
آخر تعديل :
السبت