ولأنّ للحديث بقية، وبعيداً عن وضعنا المتأزم، وبانتظار الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم الخميس، لا نتذكّر تونس بتجربتها الديمقراطية الرائدة فحسب، وهي كانت أصلاً مسقط رأس «الربيع العربي»، بل نتذكّر أيضاً تجربتها الريادية في موضوع الزيتون، وقد أصبحت أكبر منتج ومصدّر له في العالم!
يسمّي التونسيون الزيتون بالذهب الأخضر، ردّاً على الأصفر الذهبي، والأسود النفطي، وخلال نحو عشرين سنة صارت الحبّة المباركة خير نصير للإقتصاد الوطني، وأكبر مشغّل للمزارعين والعمّال، وذلك بعد تبنّي وتنفيذ استراتيجية مدروسة للعناية بشجرة الزيتون ومنتجاتها، أيام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي!
سعر برميل النفط، يتراوح هذه الأيام حول الستّين دولاراً، أقلّ أو أكثر قليلاً، وسعر تنكة زيت الزيتون «الاكسترا أوريجين» تتراوح ما بين مئة ومئة وأربعين دولاراً، وإذا حسبنا الفارق بين التنكة والبرميل، فهو مضاعف عشر مرات، وهذا يعني أنّ سعر برميل زيت الزيتون الآن أكثر من ألف ومئتي دولار في أسوأ الأحوال!
حين نعود إلى التاريخ، وحسب صديقنا وزميلنا الأستاذ أحمد سلامة، فسنعرف أنّ الامبراطورية الرومانية التي استعمرت كلّ محيط البحر الأبيض المتوسط بأساطيلها، كانت تبعث لنا بالجنود المستعمرين، وتعود سفنها، التي شبّهها بناقلات النفط، بزيت الزيتون الذي كان أهمّ من الذهب الأسود في هذه الأيام، ففي غياب الكهرباء كان هو الضوء، والقيمة الغذائية العالية، إلى ما إليه من قيمة مقدّسة بعد تحوّل الامبراطورية الى المسيحية!
الأردن يحقّق نجاحات في زراعة الزيتون، وتتسارع عملية تبنّيه من المزارعين، ولكنّ كلّ ذلك يظلّ عملاً فردياً بطيئ التأثير على الاقتصاد العام، ولو أخذنا من التجربة التونسية عبرة، فسنكون خلال سنوات قليلة أمام رافد حقيقي لإيراداتنا الوطنية، وسنتذكّر هنا أنّ هناك الكثير من الدراسات التي أثبتت أنّ نوع زيتنا هو واحد من الأفضل في العالم.
تونس، زرعت خلال الثلاث سنوات الأخيرة عشرة ملايين غرسة زيتون، سيكون من شأنها بعد أربع سنوات أن تبدأ الإنتاج التدريجي، ليضاف إلى ما بُدء العمل به قبل عشرين سنة، وهكذا فنحن فعلاً أمام نفط حقيقي لا نبحث عنه تحت الأرض، ولكنّنا نزرعه فوقها، وننعم من خيراته بسرعة، ونتمنى أن يؤخذ كلامنا على محمل الجدّ، بعيداً عن الشعارات، والكلام الإنشائي الذي لا يُنشئ واقعاً، ولا يسمن ولا يغني من جوع، وأتمنى العودة إلى مقالة أمس، وللحديث بقية!