الفيصل بين التعنّت والتفاوض شاسع وكبير، فالتمسّك التامّ بالمطلب وتوقيت تنفيذه ليس من التفاوض في شيء.
وبالنظر إلى الحلول المقترحة من طرف الحكومة نجد الحلّ المالي قادماً لا محالة لكن الضرورة الاقتصادية ومخرجات العمليّة التربوية تربطانه حتماً بجدول زمنيّ وضمن قواعد إستحقاق منطقيّة مبنيّة على نتائج.
وبعيداً عمّا يشكله المطلب من فاتح شهية لدى باقي الفئات إن حصلت نقابة المعلمين على مرادها كلّيّاً أوجزئيّاً، مرحليّاً أو مستقبلاً، علينا مطالعة الكلفة العامّة للإضراب وأن نقرأها مع الكلفة الرئيسية حيث تغطي الدولة قطاع التعليم الحكوميّ من ألفه إلى يائه بكلفة تتجاوز المليار سنوياً.
فهناك كلفٌ ماليّةٌ أُخرى لا يستهان بها، إذ أن شريحة واسعة من القطاعات الاقتصادية تلقت ضربة مالية موجعة جرّاء الإضراب لما تعوّله على الفصل الدراسي الجديد في كلّ عام كالمطاعم والنقل والباعة وكذلك المكتبات لتمارس نشاطاتها المرتبطة بالدوام المدرسيّ، ومعظمها طبقات بسيطة تستحق العناية والرعاية وأسس أصحابها مسار أعمالهم ومتطلباتهم وفقاً للمعتاد.
ولا شك بأن تعطُّل تلك الفئات عن ممارسة نشاطاتها ضمن المستوى الاعتيادي في مثل هذا الوقت من العام قد عاد على مالية الدولة بالفاقد إذ إختلفت الإيرادات الواقعية عن تلك التأشيرية في الموازنة والمنتظرة من ممارسة تلك الفئات لنشاطها، إضافة إلى إضعاف القوى الشرائية لدى تلك الفئات والتي تنعكس كمصفوفة متتالية على بقية القطاعات سلباً أو إيجاباً.
وربما أن الأهم من ذلك كله هو كلفة الإضراب على الطالب، فترحيل أيام التعطيل الحالية وتعويضها في عطلته السنوية هو بحد ذاته تحدٍّ صعب و بالغ الإرهاق.
فالطالب الآن ليس في حالة عطلة بل عدم استقرار، وكما يحتاج الدراسة يحتاج جسده وذهنه الراحة و الإستقرار، وليس من حقّ أيّ صاحب مطلب مصلحيّ غير ثابت قانوناً أن يصادر حقّ الطالب في عطلته الثابتة قانوناً.
فتقصير العطل و تخصيص حصص النشاط غير المنهجي للمواد العلمية والأدبية يرهقان الطالب وذويه ناهيك عن المنافسة غير المتكافئة بين طلبة المدارس الخاصة والحكومية في إمتحان الثانوية القادم على وجه التحديد، والتي يغيب عنها تكافؤ الإعداد إبتداءً.
إنّ إستراتيجيات التفاوض بشتى تعريفاته قائمة على عناصر ثلاثة ( ماذا وكيف ومتى)، أمّا التصلّب و إختيار البداية بإضرابٍ كُلّيٍّ والوقوف عند حدّ المطلب كاملاً غير مُجزّأ أو منقوص وتصعيد لغة الخطاب بعد كلّ جلسة حوار لا تبشّر بخير ولا تؤدّي إلى حلول.
هي أزمة عميقة وعقيمة بلا شكّ، وأخشى أنّ الدفع نحو الزّاوية سيؤدّي إلى الكَيّ كآخر الحلول و أقساها و أقصاها فوسائل المعالجة تدرجية هي الأخرى و طردية و هناك واجب عامّ على الدولة أن تؤديه بما تملك من أدوات.
تلك دعوة للنقابة لخلق هوامش توافقية، علّها تفيد.