كتاب

تقرير حالة البلاد: المحتوى والتطبيق



أسئلة عديدة يتكرر طرحها مع إطلاق المجلس الاقتصادي والاجتماعي تقريره الثاني عن «حالة البلاد». وهي أسئلة لا تقلل من أهمية الجهد المبذول في انجاز هذا المشروع.

فالجهد كبير، وفيه من العناصر ما يؤشر على عمق المحتوى، وضرورة التعامل معه بقدر أكبر من الاهتمام. وأن توضع التوصيات كأساس لاستراتيجيات وطنية شاملة لكافة المجالات، خاصة وأن المجلس يكاد يكون الجهة الوحيدة التي تتعامل مع القضايا الوطنية بمنظور شامل.

كل ذلك لا يعني أننا بخير فيما يخص هذا البعد، فهناك كم من الإشكاليات في المجال التطبيقي للتوصيات والمقررات، وعلى رأسها الصفة الاستشارية للمجلس، والتي تلتقي مع غياب شبه تام للمؤسسية في الوزارات والدوائر الحكومية.

وكمثال على ذلك، فإن المدقق في تفاصيل المشهد يتوقف عند حالة نكاد نتفرد بها عن غيرنا من الدول، حيث تتنكر كل حكومة لما أنجزته سابقتها، ويتنكر كل وزير لما خطط له من سبقه.

في موضوع التقرير، هناك توصيات على درجة عالية من الأهمية، إلا أن الإشكالية الرئيسية تتمثل بالفجوة بين النظرية والتطبيق.

فإضافة إلى غياب الإلزامية في تبني الكثير من التوصيات القابلة للتطبيق، تمتد عناصر الفجوة إلى طغيان البعد النظري على أية أبعاد أخرى بحكم غياب الجهة ذات الاختصاص في بعض الحالات، ولجوء الحكومات إلى تسييس بعض قراراتها.

من الأمثلة على ذلك، ما تضمنه التقرير الثاني من معالجات تتعلق بقطاع المياه وضرورة الحفاظ عليها وإدامة مصادرها، فقد سبق أن أضاعت الحكومة جهد سنوات أمضتها فرق فنية ورقابية في البحث عن مسببات ارتفاع نسبة الفاقد، وتبين لها أن سرقة المياه بملايين الأمتار المكعبة كان السبب الأبرز في ذلك. غير أن قانون العفو العام شمل كافة تلك القضايا، وألغى كل الإجراءات التي اتخذت لمعاقبة سارقي المياه، والمتسببين برفع نسبة الفاقد.

وفي موضوع آخر، تضمن التقرير مفاصل مهمة في موضوعي الإنتاج والتسويق الزراعي، بحيث يكون «الإنتاج على أساس الميزة النسبية» و"التسويق على ربط الإنتاج بالطلب»، وضمن قاعدة بيانات زراعية متكاملة.

فالمشروع جميل جدا، ووزارة الزراعة كما أعلن الوزير الذي كان حاضرا ستأخذ جميع التوصيات بدرجة عالية من الاهتمام. غير أن عملية الإنتاج بمجملها تخرج عن الاختصاص المباشر للوزارة، وتتعلق بالمزارعين أنفسهم حيث يتعاملون مع الإنتاج بمنظور تراثي. ويمتنعون عن التعاطي مع برامج تتقاطع مع «ثقافتهم».

يساعد في ذلك أن الحكومة لا تستطيع الإنفاق على مثل تلك المشاريع الريادية إلى حين إقناعهم بأنها هي الأكثر نفعا لهم.

من هنا، ومع عدم التقليل من شأن التقرير، وما تضمنه من أفكار، ولا من حماسة وحرص بعض الوزراء والمسؤولين في التعاطي مع تلك المخرجات، فإنه لا بد من إجراءات تجعل من تنفيذ تلك المخرجات أمرا ممكنا.. بل وملزما.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com