تدور رحى حرب التسجيلات المباشرة والمسجلة في أكثر من بلد عربي، وترافقها الأخبار المرسلة عن تجاوزات خطيرة وقضايا فساد هائلة عبر منصات تتوزع بين مواقع الفيسبوك والتويتر، وفي المحصلة لا توجد نتيجة يمكن البناء عليها.
نشهد في الأردن مثلاً، وبين حين وآخر، وقوف أحد أعضاء البرلمان، أو عضواته، للإعلان عن قضايا فساد كبرى، ومن ثم يختفي النيابي بعد أن استطاع اختطاف الاهتمام العام لأيام وأحياناً لساعات فقط، ليبقى المتابعون تحت انطباعات مختلفة من بينها حصوله على ثمن صمته بشكل أو بآخر وإلحاقه بزمرة الفاسدين الذين كان يحاول اكتشافهم، أو ربما رضوخه للتهديد، وكلها بالطبع تدين ذلك الشخص قبل أن تدين أحداً ممن استهدفهم في اتهاماته المرسلة.
هذه الحالة تستحقها العقلية الحاكمة في المنطقة العربية التي تشهد درجة كبيرة من الغموض والضبابية، وترفض الإذعان للشفافية وأصولها وكأنها تعتدي على هيبة السلطة ومسؤوليتها، فالجميع يجد سطراً غامضاً هنا، أو منطقة معتمة هناك، ومن هذه الثغرات تنطلق الإشاعات والتشنيعات والتلميحات وتختلق المعارك وتمضي تصفية الحسابات.
ثقافة السلطة في العالم العربي عززت من هذه الفوضى، فالاستسلام لفكرة تفرغ العالم لحياكة المؤامرات تجاه العرب تحديداً، ووجود المواجهة مع اسرائيل وما استدعى ذلك من عمليات تمويه ومنح صفة السري والمكتوم لأي شيء، وكل شيء تقريباً، إلى خلق بنية نفسية كاملة تعبر عن نفسها بمقولة: مش شغلك يا مواطن!
الرغبة في الحصول على الحقيقة متجذرة في الكائن الإنساني، حتى لو لم تتوفر لديه النية في استخدام هذه الحقيقة، ولو كانت الحقيقة لا تتماس بصورة مباشرة معه أو مع مصالحه، وفي حالة عدم وجود المنافذ المناسبة التي تمكنه من الوصول إلى الحقيقة، أو المنابر المناسبة التي تمنحه الامتلاء بالحقيقة، فإنه سيكون منفتحاً على استقبال أي شيء يشبه الحقيقة حتى لو كان أكاذيباً فاقعة.
أحد الأمثلة لتفاعلات الشائعة الأخبار التي وردت عن مستشار لوزير الصحة استحدث إدارة ليتولاها شقيقه، وتعيين مجموعة من أخرى من أقاربه، واضطرت وزارة الصحة للنفي بطريقة فندت الإدعاءات جملة وتفصيلاً، إلا أن النفي لم يتمكن من إحداث الاختراق اللازم بالطريقة التي حققته الإشاعة.
يميل المواطنون لتصديق الشائعة بأكثر من أي بيان أو توضيح تصدره الحكومة أو أي جهة رسمية، وذلك لعدم اطلاعهم على القدر الكافي من الشفافية في إدارة العمل الحكومي، وعدم اعتيادهم عليه، وهذه تعد المشكلة الجذرية، إذ يجب تعزيز فعل الشفافية قبل الارتكان على رد فعل التوضيح.
هي رحلة طويلة، واستعادة عسيرة للثقة، ولكن دون أن نبدأها سنبقى بصورة مستمرة رهناً للإشاعات والأخبار الكاذبة، حسنة أو سيئة النية، ولكن أثمة خبر كاذب بنية حسنة؟
تعزيز الشفافية.. الخطوة الأولى لبناء المصداقية
11:30 18-9-2019
آخر تعديل :
الأربعاء