كتاب

محاربة الفساد: ردة حكومية.. أم صفحة جديدة؟

مثلما بدأت قضية الدخان «كبيرة»، واستندت إلى تقديرات عن احتمالية الإطاحة برؤوس كبيرة، أصبح هناك إحساس عام بتراجع الاهتمام الرسمي، نحو ما يوحي بأنها مجرد قضية عادية، المتهمون الكبار فيها لا يصل عددهم إلى عدد أصابع اليد الواحدة. بينما الذين ترددت أسماؤهم كـ«معاونين» ومقدمي بعض الخدمات الاستشارية كان وضعهم قانونياً، ولم يرتكبوا ما يمكن أن يصنف كمخالفة.

ومثلما بدأت قضية الفوسفات كبيرة جداً، وتؤشر على حجم فساد بمئات الملايين من الدنانير، معززاً بقرار قضائي، جاءت تصريحات رسمية لتشير إلى أنها أقل بكثير جداً مما هو معلن وما جاء في القرار.

وبينما أشارت معلومات رسمية إلى محاولة المتهم الرئيسي بقضية الفوسفات التوصل إلى تسوية مع الحكومة، عادت الحكومة وعلى لسان نائب رئيسها للقول: «نحن غير قادرين لا الحصول على الـ 260 مليونا ولا الـ 50 مليونا»، معتبراً ذلك أنه «ضياع على الشركة «بسبب» عدم وجود أصحاب اختصاص في الدراسة».

جاء حديث نائب رئيس الوزراء أمام اللجنة القانونية بمجلس النواب في سياق التقديم لتعديلات قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، والتأشير على وجود ثغرة غياب المتخصصين في مجال تقدير حجم الفساد في تلك القضية.

وهو اعتراف حكومي يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بمدى الاستعداد الحكومي لتطبيق الإرادة الملكية بالعمل على «كسر ظهر الفساد»، والتأكيدات الحكومية اللاحقة بخصوص تطبيقات هذا الشعار وإدماجه في برنامج العمل الحكومي.

وهناك العديد من قضايا الفساد قيمتها ملايين الدنانير ذهبت مع العفو العام، ومنها قضايا تتعلق بسرقة المياه، وغيرها، بعد أن مارس النواب ضغوطاً أسفرت عن شمولها بالعفو.

على مستوى الشارع، هناك ثقة مطلقة بالقضاء، وقناعة بأن السلطة القضائية بمختلف درجاتها، لا يمكن أن تتوانى عن السير في طريق تحقيق النزاهة والعدالة. وهناك ثقة ايضاً بهيئة النزاهة، وبالتالي فإن الحديث لا يتعلق بالقضاء، ولا بإجراءات التقاضي، ولا بالهيئة المحكومة بقانونها، وإنما بالإرادة الحكومية في هذا المجال. فالإحساس العام يؤشر على جديد في هذا المسار، خاصة وأن بعض المسؤولين يتمسك بالربط بين الحديث عن الفساد وبين تراجع حجم الاستثمار.

وهو ربط قد يكون محقاً في بعض جوانبه، وبخاصة ما يتعلق منها بالشائعات، وتضخيمها، لكنه ليس كذلك ما دامت الحكومة تملك ناصية الحقيقة، وتمتلك من الأدوات ما يجعلها قادرة على وضع الأمور في نصابها والكشف عن الحقائق كما هي.

وبالتالي، ليس مقبولاً أن تقدم الحكومة معلومة، ثم تعود للحديث عن عدم دقتها. وتتحدث عن همة عالية في مجال محاربة الفساد، قبل أن تفرغ المشروع من مضمونه. فكل تلك التناقضات توجه رسائل سلبية إلى المواطن، وتزيد من فجوة عدم الثقة بينه وبين الحكومة.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com