في قلب العاصمة عمان، يقبع مسجدٌ تحوطُه مِئذنتان طويلتان بطول الزمان وبهاء المكان، ففي عمانَ العاصمة الأردنية الهاشمية، وبين جبالها السبعة بُني المسجدُ الحسينيّ الكبير، وكان البدء ببنائه أوائل تأسيس الدولة الأردنية، زمن المغفور له الملك عبدالله المؤسس.
ولقد عاش الأردنيون مع المسجد الحسينيّ ذكريات جليلة جميلة، فما بين الصلاة فيه، وأنه اللقاء والموعد لانتهاء الرحلات من خارج الأردنّ وبداية انطلاقتها. حيث أسواق: الحميديّ والسكّر، والبترا...، وعند بوابته الشمالية مفرق الطرق بين القادم والمسافر، وقديما كان جنوب المسجد نهرٌ يشقّ العاصمة الأردنية ليشكل نهرَ الزرقاء.
وتشكلت ذكريات الأجيال المتعاقبة لمسجدٍ بُني على أنقاض مسجد أمويّ عريق، وأيضًا يبعد كيلومترين عن المسجد الأمويّ الذي بني في القلعة جبل القلعة. فكنا نَمرُّ في الأعياد نشتري ذكريات الصبا وابتسامة الأمجاد، وقريب من المسجد الأطعمة التقليدية الأردنية الشهيرة، وعلى أطرافه المكتبات ذات الفكر المستنير والعِلم الكبير، في منظر مَهيب قلما يوجد في غيره من المعالم.
وكان قضاء الله وقدره، أن يأتي لهيب النار على جزء من طابقه العلويّ، فالتهبت النار واشتعلت، فكان لطف الله أولا، ثمّ سواعد الأردنيين التي هبت لإخماد الحريق، حيث رجالات الدفاع المدنيّ وكلَّ واحدٍ منهم هبوبَ ريح ينطلق لأداء الواجب، ففي هذا المسجد تربينا ومن قَبلنا الآباء والأجداد، وكان ينطلق: الله أكبر، للإمساك والإفطار من شهر رمضان المبارك، والعلماء والخطباء والمنابر تصدح بقولة الحقّ وقوة المنطق والانتماء للدين والوطن.
إنه المسجد الحسينيّ الكبير.. ومَن لا يعرفه.. فقد فاته قسطٌ عريض من الانتماء لهذا الوطن، ومع خبر الحريق التهبت مشاعر الأردنيين وجلا على إرثهم الذي ينتمون إليه، ومع أن الكثيرين منا يمنعه الزحام من الترجل في ساحة المسجد الحسينيّ الكبير، إلا أنّ الحريق البسيط أحدث فينا مشاعر لا توصف، ولم يوقف الدموع سوى سرعة إطفاء الحريق.
وتنزلت الرحمات حيث توقف الحريق على أعتاب المكتبة التاريخية، ليذكرنا جميعا بوجودها ووجود تاريخ عريق مرّ على المكان، فهذا الجغرافي أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، وياقوت الحمويّ في:«معجم البلدان» يَذكران في كتابيهما روعة المسجد الأمويّ في عمان، تماما كرَوعةِ الأردنيين وهم يطفئون لهيبا ألهب مشاعرهم تجاه مسجدهم الحسينيّ وسط البلد.. وذكريات الماضي التليد.
ولخصوصية هذا المسجد التاريخية والإيمانية وما له من تأثير عميق في نفوس الأردنيين، نجد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين يوليه اهتماما بالغا في زيارات بين الفينة والأخرى، كان آخرها زيارة تفقدية للمسجد فور عودة جلالته إلى أرض الوطن إثر الحريق الأسبوع الماضي، وجاءت هذه الزيارة تأكيدا على مسيرة الهاشميين بالمتابعة الحثيثة للمساجد ودورها الإيماني والديني بما يؤول خيرا علينا في الدنيا مودة وبركة وفي الآخرة درجات وحسنات ورضا رب العباد.. فهكذا تعلمنا الشيء الكثير من قيادتنا الرشيدة.