تفاجأت ام احمد باستلامها رسالة نصية من ابنها البالغ عشرة اعوام يذكرها بموعد تجديد اشتراكه باحدى دورات السباحة، فهرعت الام الى غرفة ابنها لتتفقده خوفا ان يكون قد غادر المنزل دون علمها، فوجدته جالسا بغرفته وبيده الهاتف الخلوي ؟!.
سلوك يمارسه الابناء داخل الاسرة في مشهد يعكس تغير نمط الحياة والاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي في مخاطبتهم بعضهم بعضا، فنكون امام مساحة من الغربة والابتعاد بين الابناء وابائهم وامهاتهم داخل البيت الواحد.
إنها سيطرة شبه كاملة تتحكم بها الاجهزة الالكترونية الحديثة على حياة الابناء وافراد الاسرة، لتغير نمط واسلوب الحياة، فتأخذ هذه الوسائل الحديثة مكانها عوضا عن الحوار والتواصل اللغوي بين افراد الاسرة.
مشاهد باتت تتكرر داخل الاسرة، ابناء يقضون معظم اوقاتهم على شاشات الهواتف الخلوية والالعاب الالكترونية واباء وامهات ايضا يقضون اوقاتهم على الهواتف الخلوية لا يبادرون بالتواصل مع ابنائهم الا اوقاتا قليلة ليتعلم الابناء هذا السلوك ويمارسونه فيصبح ارسال رسائل عبر الهاتف لامهاتهم وابائهم واشقائهم الاسلوب الاسهل لهم.
من جانبها، قالت اخصائية الارشاد الاسري فاطمة القادري «ان غياب الحوار الاسري ظاهرة اجتماعية جديدة تغزونا بشكل واضح، فهناك اعتماد شبه كامل على الاجهزة الالكترونية الحديثة في جميع جوانب الحياة، الامر الذي يعكس الغربة الاجتماعية والاسرية السائدة، فالابناء يقضون غالبية اوقاتهم على شاشات هواتفهم الخلوية والاباء والامهات ايضا، ما يلغي تدريجيا الحوار والتواصل الاسري فيصبح ارسال رسائل عبر الهاتف بين افراد الاسرة امرا اكثر سهولة لهم».
واشارت القادري، الى ان هذا التغير في التعامل بين افراد الاسرة ينطبق ايضا على العلاقات الاجتماعية الاخرى، فالاصدقاء بالمناسبات والاعياد يكتفون بارسال معايدات عبر الهواتف ولا يلتقون كما كان سابقا، وتزايد هذا الامر حتى بالاعلان عن الوفيات، فأخذت مواقع التواصل الاجتماعي مكانها عوضا عن الوسائل الاخرى المتاحة والمتعارف عليها لهذا الامر، ما يدل على اهمية هذه الوسائل بحياتنا اليومية واستبدالها بالتواصل الانساني.
واكدت القادري، ان على الاسر مسؤولية كبيرة باعادة الحوار الاسري والتأكيد على ابقائه حاضرا امام التحديات الجديدة التي تحيط بالاسرة والمجتمع، فالتراخي باعادة الحوار والتواصل اللغوي بين افراد الاسرة يسهم في تشكيل حالة من الغربة بين افرادها خاصة فيما يتعلق بالابناء الذين يقضون اوقاتا طويلة امام شاشات الهواتف الخلوية ولا يرغبون بمشاركة اسرهم العديد من المناسبات والاوقات.
ويحذر اخصائيون اجتماعيون، من خطورة ترك الابناء خاصة بمرحلة المراهقة يقضون معظم اوقاتهم بغرفهم الخاصة برفقة هواتفهم الخلوية، مؤكدين ان التغيرات المجتمعية المحيطة بالاسر تتطلب زيادة بوعي الوالدين بها والمحافظة على استقرار الاسرة الذي بات مهددا امام الاعتماد الكامل على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة الذي يسهم بزيادة الغربة بين افرادها وغياب الحوار الاسري.
وأمام هذا الواقع الجديد تبقى «الحداثة » مفهوما جديدا بات مسيطرا على اساليب التربية باختلاف اشكالها وانماطها وتحول الهاتف الخلوي الى وسيلة للتواصل بين افراد الاسرة الواحدة، ليصبح مشهدا تلقى ام رسالة من ابنها وهو في الغرفة المجاورة لها، ما يعكس حالة اغتراب اسري واجتماعي تعيشها الاسرة اليوم ولا تدرك خطورتها ونتائجها السلبية المستقبلية.