كتاب

السودان وإستعادة المسيرة!

رغم أن بعض القوى، التي ظنت قبل التصدي لها في مصر وقطع الطريق عليها، أن هذه المرحلة هي مرحلتها وأنها ستكون وريث الموجة القومية واليسارية المتراجعة، قد حاولت إختطاف إنتفاضة السودان إلا أن العقلاء السودانيين، وفي مقدمتهم زعيم حزب الأمة الإمام الصادق المهدي، قد تداركوا الأمور بسرعة وغلبّوا العام على الخاص وتوصلوا إلى إتفاق إنقاذي مع جنرالات الجيش وأعادوا هذا البلد العربي الكبير والعظيم إلى سواء السبيل.

ثم ورغم أن السودان قد جرب الإنقلابات العسكرية بكل ويلاتها وأن أطرافاً وجهات خارجية قد حاولت ومراراً وتكراراً التدخل في شؤونه الداخلية إلا أنه وبعد ثلاثين عاماً من إنقلاب عمر البشير البائس قد تمكن من التقاط أنفاسه وتصحيح مسيرته أولاً بالتخلص من هذا الإنقلاب السيئ والتدميري وثانياً بهذا الإتفاق الوطني الأخير الذي هو وبالتأكيد سيواجه محاولات تآمرية – كثيرة.

ربما، لا بل المؤكد، أن هناك من لا يعرفون أن هذا البلد العربي والعروبي حتى النخاع الشوكي، كما يقال، قد عرف الحياة الحزبية الحقيقية مبكراً أي في نهايات أربعينات القرن الماضي وأنه واصل مسيرته السياسية بخطى ثابتة رغم إبتلائه بالعديد من الإنقلابات العسكرية وأسوأها إنقلابا جعفر النميري الذي كان قد إرتكب جريمة تصفية قادة الحزب الشيوعي الذي كان أفضل الأحزاب الشيوعية العربية وبالطبع بإسنادٍ من معمر القذافي صاحب: «اللجان في كل مكان» وصاحب «الجماهيرية» المضحكة!!.

كانت الحياة الحزبية في السودان، بالإضافة إلى حزب الأمة الذي إنتهت زعامته إلى الصادق المهدي، قد عاشت مرحلة طفرة الأحزاب الأساسية في الوطن العربي بمعظم أقطاره وبالطول والعرض ومن بينها حزب البعث الذي كان شهد ذروة تألقه بدءاً ببدايات ستينات القرن الماضي وهذا ينطبق على الحزب الشيوعي وعلى الإخوان المسلمين وأيضاً وإنْ بحدود معينة على حركة القوميين العرب بقيادة الدكتور جورج حبش التي بعد كارثة عام 1967 تحولت إلى تنظيم فلسطيني مقاتل هو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

لقد إنحرف عمر البشير، الذي كان تحالف مع الدكتور حسن عبدالله الترابي، الذي أصبح رمزاً «إخوانياً» مرموقاً بالسودان لنحو ثلاثين عاماً وتركه بعد كل هذه الفترة الطويلة وقد خسر الجنوب كله وكاد أن يخسر دارفور وبعض الأقاليم الأخرى لكن هذه الثورة أو «الحركة التصحيحية» الأخيرة التي تم إستكمالها بهذا الإتفاق الأخير من المؤكد أنها ستعيد إليه وحدته أرضاً وشعباً ومع الأخذ بعين الإعتبار أن هذا البلد «الإستراتيجي» فعلاً سيبقى يتعرض لمحاولات تآمرية كثيرة.