قبل أيام قليلة، وأنا أرى وليد جنبلاط وهو «يتفجر» غضباً لإفتعال مشكلة «عاليه» الأخيرة التي كان هو المستهدف فيها، تذكرت يوم إستشهاد القائد الوطني والعروبي الكبير كمال جنبلاط فقد كنا زميلي ورفيق الدرب المتعب الطويل ميشيل النمري، الذي كنا قد خسرناه وخسره الأردن «مبكراً»، وأنا في أحد مطاعم ضواحي روما التي كنا قد وصلنا إليها تواًّ من تونس حيث كنا في مهمة إعلامية وفجأة إقترب منا «نادل» عربي «مغاربي» وقال لنا همساً: لقد قتلوا كمال جنبلاط.
كوقع الصاعقة وقع علينا ذلك الخبر المفجع والمرعب وكنا نعتقد أنه، رحمه الله، في القاهرة لحضور إجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني كان ينعقد فيها ويقيناً أن إغتيال هذا القائد الكبير كان متوقعاً فهو كان الأكثر رفضاً لـ«قوات الردع العربية» ولتدخل دولة الجوار من الشرق في الشؤون الداخلية اللبنانية وكان من أكبر وأهم المؤازرين للمقاومة الفلسطينية وكان في الوقت نفسه من أشد منتقدي تجاوزاتها الكثيرة والخطيرة في لبنان البلد الذي إستضافها لسنوات طويلة والذي إحتفل بكل مكوناته بأول رصاصة أطلقت في الفاتح من عام 1965.
كان كمال جنبلاط صاحب كلمة مسموعة لدى القيادة الفلسطينية ولدى ياسر عرفات (أبوعمار) تحديدا، رحمه الله، وكانت كلمته مسموعة أيضاً وفي مراحل سابقة لدى معظم القادة العرب بما في ذلك من كان منهم يخالف توجهاته ومواقفه اليسارية ومن كان يتفق معها ومن بين هؤلاء حسب معرفتي الرئيس جمال عبدالناصر وراحلنا الكبير الملك حسين رحمهما الله وهواري بومدين وصدام حسين حتى قبل أن يصبح رئيساً وغيرهم كثيرون وبالطبع فإنه كان قريباً من حافظ الأسد في البدايات لكنه أصبح لا يطيقه في فترات ما قبل إغتياله.
لقد كنت أعرف، ومثلي مثل كثيرين غيري في بيروت الغربية، أن دم كمال جنبلاط غدا «مهدوراً» وأن التخلص منه بات قريباً وهذه القناعة كانت متداولة بين قادة المقاومة الفلسطينية ورموز الحركة الوطنية اللبنانية ومن بينهم محسن إبراهيم وإنعام رعد وإبراهيم قليلات وجورج حاوي وغيرهم ومن بينهم أيضاً الصحافيون بغالبيتهم من كانوا منهم مع من كنا نسميهم «الإنعزاليين».
والمهم فإنه عليَّ أن أشير إلى أنني قد وضعت يدي على صدري، فوق قلبي، عندما رأيت وليد جنبلاط وهو يكاد يتفجر غضباً بعد حادثة «عاليه» الأخيرة فالمعروف أنه يمتلك شجاعة والده كمال جنبلاط، الذي قادته شجاعته إلى أن يصبح هدفاً لرصاص المتآمرين، وهذا يعني أنَّ على (أبو تيمور) أن يكون أكثر حذراً وأن يعتصم في «المختارة» كما كان يفعل والده عندما كان يختلف مع بعض رفاق دربه المتعب إن من المقاومة الفلسطينية وإن من الحركة الوطنية اللبنانية..