كتاب

فرصة الهندرة

اجتهدت الحكومة واستغلّت النصوص المتاحة لتبدأ عملية إعادة هيكلة حقيقيّة صامتة متخلّصة من جزءٍ أساسيّ في التركة الثقيلة وهو الحمولة الوظيفيّة الزائدة، وقد إختارت الطريق الأكثر عدالة فيما هو أقرب لآلية «Golden handshake » المتّبعة في الخصخصة والتي تقدم الحوافز التشجيعيّة للفرد وتحقّق مصلحته الشخصية وكذلك المصلحة العامة.

لكنّ السلبيّ هو ما يفتحه الحديث من شهية لمزيد من التوظيف الحكومي، إذ يفرض المنطق أن نغادر سياسة «ترحيل الأزمات» أو إطفائها مرحليّاً حتى نعتبر ما تقرّر إنجازا يمكن البناء عليه، فإذا استمرّ التوظيف بذات الكمّ المُنتهية خدماته سيتضاعف العبء على الماليّة العامّة والمتمثل بفاتورة نفقات جارية جديدة إلى جانب التقاعديّة المتضخّمة، و هذا لا يخدم أحدا على المَدى البعيد إنّما يُسكّن ملفّ البطالة وقتيّاً إذ تُلقي الحكومة بحملها على الوطن، و لا يبدو أن الحكومة تسعى لهذا.

فمعادلة «الهندرة» أو هندسة الإدارة قائمة على الترشيق و إعادة ترتيب البيوتات الداخليّة عبر تحقيق أهدافٍ ثلاثة (خفض التكلفة، تعزيز الجودة والسرعة، ورفع مستوى الخدمة)، وإذا نظرنا بالتوازي لمشروع الحكومة الإلكترونية ومستقبله سنكون أمام أقلّ قدرٍ من التوظيف والنّوعيُّ منه تحديداً لا الكَمِّي.

أمّا البطالة، فبمقدور الحكومة أن تخطو خطواتٍ أكثر إنتاجاً في مشروع شراكتها مع القطاع الخاصّ، ويمكن لذلك أن يأخذ عدّة أشكال منها تحمُّل الحكومة لجزء من إقتطاعات الضمان المفروضة على المنشآت فيما يخصّ الموظّفين الجُدد، أو تقديم تسهيلاتٍ بمقابل التوظيف وفقاً لمعادلة معيّنة تعود بالنفع على صاحب العمل أو عبر منح الفرصة لصندوق التقاعد باستثمار موجوداته بشكل أكبر عبر مشاريع مشتركة بين القطاعين لتغطية فاتورة التقاعد و تحقيق مكاسب ماليّة استراتيجيّة على المدى البعيد، وغير ذلك من أفكار من خارج الصندوق مما تزخر به عقول المختصّين.

وعليه، وقبل أن تفتح باب التوظيف، لا بد وأن تُمنح الحكومة متسعاً من الوقت لمعالجة معضلة الادارة بما يتوفّر من مساحة تتلو موجة التقاعد المقبلة لا سيّما وأنّ هذا يسهم في خفض النفقات الجارية سواء المتعلقة بالأجور أو تلك التشغيليّة، مع إصلاح نظام الخدمة المدنية ومأسسة مركزية منصات التوظيف والتشغيل لضمان أكبر قدر من الشفافية والعدالة، وتجويد العمل الحكومي بتنمية الخبرات التي سيبقيها تقييد التقاعد المبكّر داخل الجسم الحكوميّ لأطول فترة ممكنة.

وأخيراً، لا بدّ من مراجعة استثناء فئات من منحنيات الخدمة المدنية، فالمساواة التي فرضها الدستور في الحقوق والواجبات لا يلغيها نظامٌ أو قرار، وإذا كانت العيّنة الكمّية للاستثناء تقارب أو تزيد على تلك التي يتبعها الأصل فإنها ليست باستثناء، بل أصلٌ لكنه يخالف الدستور والقانون.