انعقدت قمة العشرين في أوساكا اليابانية في ظل تنامي الحرب التجارية مع تفاقم التوتر السياسي وتراجع النمو الاقتصادي العالمي، وثمة إجماع على أن القمة التي عقدت في 28 يونيو الماضي من أكثر القمم التي تشهد انقسامات على مدى سنوات، فقد انطلقت القمة وسط صراعات سياسية وتجارية وتفاقم الأزمة بين طهران وواشنطن وفي إطار حرب الجمارك بين بكين وواشنطن، ولا جدال أن الوضعية العالمية التي تشهد انقسامات حادة وحربا تجارية طاحنة هي نتاج سياسة «أميركا أولاً» الانعزالية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقد حذر رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الذي يترأس أعمال قمة مجموعة العشرين من مخاطر يمكن أن تؤدي إلى هبوط الاقتصاد العالمي، وقال خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للقمة: «لقد تكثفت التوترات التجارية والجيوسياسية».
كان وزراء المالية وحكام المصارف المركزية لدول مجموعة العشرين قد حذروا في 9 يونيو الماضي، من «المخاطر» الناجمة عن تفاقم الخلافات التجارية، في ختام اجتماع هيمنت عليه الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، إذ ذكرت مصادر مشارِكة في القمّة أن النقاشات حول صوغ نص البيان الختامي كانت «معقّدة» واستغرقت وقتاً طويلاً، بسبب خلافات واشنطن والدول الأخرى في المجموعة وقال المجتمعون في اليابان إن «النمو العالميّ في طور الاستقرار على ما يبدو... لكنه يبقى ضعيفاً»، مشيرين إلى «مخاطر تدهوره، مع تكثّف الخلافات التجارية والجيوسياسية».
تعد «مجموعة العشرين» (G20) اليوم منتدى رئيسياً للتعاون الدولي فيما يخص أهم نواحي المجالين المالي والاقتصادي العالميين. وتضم المهام والأهداف الرئيسية للمنتدى تنسيق سياسة الدول الأعضاء من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو الثابت وتحريك النظام المالي لتخفيض الأخطار ومنع وقوع أزمات مالية، وكذلك إنشاء هيكل مالي دولي جديد.وتم اتخاذ القرار حول تأسيس «مجموعة العشرين» في لقاء وزراء المالية ورؤساء البنوك المركزية لسبع أكبر اقتصاديات عالمية (بريطانيا وإيطاليا وكندا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان) في واشنطن في سبتمبر عام 1999، فيما جرى مؤتمر تأسيس المجموعة في ديسمبر عام 1999 في برلين، ويعود السبب الرئيس لتأسيس «مجموعة العشرين» إلى الأزمة المالية التي تفاقمت عامي 1997 و1998، والتي كشفت عن ضعف النظام المالي الدولي في ظروف عولمة العلاقات الاقتصادية، كما بينت أن الاقتصاديات النامية ليست مندمجة بالشكل الضروري في مناقشة وإدارة الاقتصاد العالمي.
يقوم الشكل الرئيسي لنشاط الندوة بإجراء لقاءات سنوية على مستوى وزراء المالية ورؤساء البنوك المركزية، وفي عام 2008 اتخذ قرار حول تغيير شكل لقاءات «مجموعة العشرين» وإجراء لقاءات على مستوى رؤساء الدول والحكومات، وتضم المجموعة حاليا 20 دولة، وهي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والبرازيل والأرجنتين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وجنوب إفريقيا وتركيا والسعودية وروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وإندونيسيا وأستراليا والاتحاد الأوروبي، وتمثل هذه الدول نحو 66% من سكان العالم، و75% من التجارة الدولية، و80% من الاستثمارات العالمية، و85% من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
تصاعد الحرب التجارية وتفاقم الانقسامات تنامى منذ تولي ترمب سدة الرئاسة، حيث بدأت نتائج وتأثيرات سياسته «أميركا أولاً» تظهر بوضوح حسب ستيوارت. ب. إم. ماكنتوش فقد بدأ مؤيدو النظام العالمي القائم على القواعد متعددة الأطراف يشعرون بالقلق، إذ نشهد نهاية الاستقرار ضمن نظام الهيمنة الأميركية، أو نهاية الأمركة بمعناها العام، فعلياً، ونهاية دعم الولايات المتحدة لنظام عالمي أنشأته هي وحلفاؤها بعد الحرب العالمية الثانية.
إن سياسة «أميركا أولاً» تبشّر بعودة النزعة التجارية «الميركانتيلية»، كنظام حمائي يكرس التدخل الحكومي لدفع رفاهية الدولة وتقويتها مقابل الدول الأخرى بهدف الحفاظ على ثروات الدول بداخلها وبناء القوة العسكرية من أجل الحفاظ على ذلك، فكل الأنشطة التجارية والاقتصادية كانت منصبة على الدولة ذاتها خارج النطاق المعروف اليوم بحرية حركة التجارة ورأس المال، فهذه العناصر كانت مرفوضة شكلاً وتطبيقًا. فانهيار العولمة والتجارة الحرة والسلسلة القيمية العالمية، سيحمل آثاراً اقتصادية سلبية على الجميع في الحقيقة، لقد تم تحذيرنا مسبقاً، إذ إن دونالد ترمب كان صريحاً، منذ التسعينيات، بشأن ازدرائه للعديد من جوانب النظام العالمي الجديد.
لقد صدرت تحذيرات أميركية عديدة بأن سياسة «أميركا أولاً» تأتي بنقيض مقاصدها، فهذه السياسة حسب ماكنتوش تزيد من التراجع الجيوسياسي النسبي لأميركا، وتقوض فعالية قوتها الناعمة، بدلاً من تعزيز موقفها، ومع انسحاب أميركا طواعيةً من القيادة المهيمنة على النظام العالمي، يبدو أن آخرين، بما في ذلك الصين، مستعدون لملء الفراغ، والمساهمة في دعم النظام الدولي، وسيكون على الاتحاد الأوروبي أن يفعل شيئاً بشأن ذلك بالطبع.
هل ثمة حرب باردة بين قوى عظمى جديدة لا مفر منها؟، يجيب معظم الخبراء والمعلقين بنعم، إذ يقول المعلقون مثل ديفيد إغناتيوس إنه إذا كان الأمر كذلك، فمن المتوقع أن تفوز الصين برؤيتها الأوضح وطاقتها الأكبر، وكتب إغناتيوس في العام الماضي يقول إن سياسات «أميركا أولاً» الانعزالية لترمب كانت تسهّل من دون قصد تراكم الصين، لم تكن التعريفات والكلمات الغاضبة بديلاً عن الاستراتيجية العالمية.
لقد منحت سياسات ترمب الانعزالية والحمائية الصين هدية ثمينة كي تلعب دورا أكبر عالميا، ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال هي القوة العظمى الرائدة على مستوى العالَم؛ فقد برزت الصين بوصفها قوة جيوسياسية جديدة وقديمة، حسب وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر في مقاله «هدية ترمب للصين»، فالصين -التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة وتتمتع بسوق محلية ضخمة- تتحدى فعلا الولايات المتحدة، بوصفها زعيمة العالَم اقتصاديا وسياسيا وتكنولوجياً.وكل من زار أروقة السلطة في بكين يعلم أن قادة الصين لديهم خريطة خاصة للعالَم. وعلى هذه الخريطة تقع الصين -المسماة «المملكة الوسطى"- في المركز، في حين تنسحب أوروبا إلى الجانب الأيسر والولايات المتحدة إلى الجانب الأيمن فعندما تنظر الولايات المتحدة غربا عبر المحيط الهادئ، وتنظر أوروبا شرقا نحو أوراسيا؛ فإن الفائز الوحيد هو الصين، والخطر الاستراتيجي الحقيقي في عهد ترمب إذن ليس تغيير النظام العالمي فحسب؛ بل الخطر الحقيقي يكمن في أن سياسات ترمب تتضمّن «جعل الصين عظيمة مرة أخرى».
في سياق قمة العشرين أعلنت الصين أن الحمائية و«أساليب المضايقة» تهدد النظام العالمي، وقال مسؤول في وزارة الخارجية الصينية داي بينغ للصحافيين «أشار جميع القادة في هذا الاجتماع إلى أن النهج الأحادي والحمائية وأساليب المضايقة في تزايد، ما يشكل خطرا كبيرا على العولمة الاقتصادية والنظام الدولي، وتحديات كبرى للبيئة الخارجية للدول النامية»، وكان ترمب قد أعلن قبل وصوله إلى اليابان، أن «اقتصاد الصين ينهار، يريدون إبرام اتفاق»، الأمر الذي يعكس طبيعة الحرب التجارية الباردة، مع العلم بأنه لا توجد أي إشارات الى انهيار الاقتصاد الصيني.
خلاصة القول أن قمة العشرين كشفت عن تنامي الحرب التجارية وتفاقم الانقسامات وزيادة المخاطر الجيوسياسية، لكن ذلك لم يكن مفاجئاً مع عقيدة الرئيس الأميركي «أميركا أولا»، وثمرة طبيعية لسياسات ما بعد الليبرالية، كما يؤكد جون مليبانك وأدريان بابست في كتابهما «سياسة الفضيلة: ما بعد الليبراليّة والمستقبل البشريّ»، الذي يتهم «الليبرالية» الحديثة بـ «تذرية» المجتمع إلى جانب تدخلات تسلطيّة عليا، فكما كتب ميلبانك وبابست: «إن انتصار الليبراليّة الحالي يؤدي أكثر فأكثر إلى «حرب الجميع ضد الجميع». فالليبراليّة تؤدي إلى الشيء نفسه الذي وعدت منذ البداية بالخلاص منه؛ أي الحرب الأهلية الشاملة، وتجلب كذلك ما لم يكن موجوداً من قبل -لكنها تدّعي أنه كان كذلك؛ أي الفرد المنعزل المجرد عن كل الارتباطات والواجبات الاجتماعيّة وبالتالي، تقوم الليبراليّة ببناء وتقوية ما تدّعي أنها تستند إليه، وما تهرب منه.