يجعلون من الاسطورة واقعاً، ونجعل من الواقع اسطورة. لا شيئ على الأرض ما يؤكد مزاعمهم ولكنّهم يجعلونها واقعاً، وكلّ شيئ على الأرض يؤكد أنّها لنا، ولكنّنا نبيح لهم أن يستبيحوها شبراً شبراً، وكأنّ الكذبة الكبيرة صارت حقيقة، وكأنّ نفقاً أقيم تحت المسجد الأقصى صار مساراً لتاريخ وهو لا يتعدّى كونه وهماً، لا أكثر ولا أقلّ.
نحن لا نتحدّث، الآن، إلاّ عن القُدس. هذه التي حملت عنوان الصراع، وهي التي تخلّى عنها العرب والمسلمون، وما نراه تحقّق من تهويد المكان ليس إبن اللحظة، بل حصيلة عشرات السنوات من صراخنا بالشعارات، ومثلها من الزمن من عملهم الدؤوب على جعل الوهم الاسطوري حقيقة.
مشهد سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، دافيد فريدمان، وهو يُسقط الجدار بمطرقة، في افتتاح «النفق التهويدي» في حي وادي حلوة ببلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك، والذي أطلق عليه اسم «طريق الحجاج»، يبعث على الأسى والحزن، ويضعنا أمام مرارة مرآة أنفسنا.
ذلك المشهد المشؤوم كان نتاج الحفر، أسفل منازل وشوارع ومنشآت الحي المقدسي على مدار السنوات الماضية، وتمّ تقديمه باعتبار أنّه «جزء من مسار الحجاج إلى (الهيكل الثاني) من القرن الأول ميلادي»، وتعتبر بداية النفق من عين سلوان وصولاً إلى قُرب القصور الأموية.
كلّنا كنّا نعرف أنّهم يحفرون، وأنّهم ما زالوا يحفرون، وسوف يحفرون، وشاهدنا ونشاهد أفلاماً وثائقية عن الموضوع، ولكنّ أحداً من العرب، اللهمّ سوى الفلسطينيين والأردنيين، ما ألقى بالاً بل وصار الحديث عن القُدس ممجوجاً بالنسبة لهم، ولكنّنا على ثقة بأنّ للقُدس ربّاً سيحميها، من الحقد الاسطوري اليهودي، ومن المطرقة الأميركية أيضاً، وللحديث بقية.