لأنني أحد الذين عاشوا تلك الفترة المرعبة عندما انفجر الصراع الراعف في لبنان وبدأت الحرب الأهلية، التي تطاولت لسنوات وحتى انعقاد مؤتمر الطائف الشهير في المملكة العربية السعودية، بعد تصدي مسلحي احد الفصائل الحزبية (المارونية) لمجموعة من التنظيمات الفلسطينية التي كانت تشارك في احتفال بيروت الغربية بعملية فدائية ضد إسرائيل عبر جنوب لبنان الذي كان وقتها معسكراً كبيراً للفدائيين الفلسطينيين.
إنَّ أعتى الحرائق تأتي من: «مستصغر الشرر»، كما يقال، وأنه لم يكن متوقعاً أن يتحول ذلك التصدي الدموي من قبل مجموعة من مسلحي حزب الكتائب لفلسطينيين عائدين إلى مخيم تل الزعتر في بيروت الشرقية إلى حرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس واستمرت لسنوات طويلة دامية ومدمرة حتى بعد إخراج القيادات والقوات الفلسطينية من بيروت ومن أجزاء أخرى من لبنان في عام 1982.
والآن وبعد كل هذه السنوات الطويلة فإن أفعى الفتنة بدأت تطل برأسها بعد استفزازات وتحرشات متواصلة أدت إلى مواجهة مسلحة في منطقة عالية الجميلة اسفرت وللأسف عن مقتل اثنين من الطائفة الدرزية التي يتنافس على قيادتها الزعيم (الاشتراكي) وليد جنبلاط اليميني التقليدي وطلال أرسلان وهذا مع أن الاثنين تربطهما علاقات نسب عائلية متينة.
ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن كل صراعات لبنان الداخلية وكل حروبه الأهليه، بدءاً بحرب عام 1860 وحرب نهايات خمسينات القرن الماضي وهذه الحرب الأخيرة التي استمرت منذ عام 1979 وحتى مؤتمر الطائف عام 1989 كانت كلها انعكاساً لتمحورات عربية وغير عربية خارجية.. والآن فإن المعروف أن هناك صراعاً محتدماً في هذا البلد بين تحالفين تحالف بقيادة إيران وتحالف عربي مضاد يرفض التدخل الإيراني في الشؤون العربية الداخلية.
والمخيف حقاًّ أنه إذا تحولت هذه الاحتكاكات والتحرشات المتبادلة بين الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط والحزب الديموقراطي اللبناني بقيادة طلال أرسلان، المتحالف مع التيار الوطني الحر بقيادة وزير الخارجية جبران باسيل، إلى مواجهة عسكرية وعلى غرار ما كان يجري في سنوات منتصف القرن الماضي فصاعداً فإن المتدخلين من الخارج، إن مباشرة أو بـ «امتداداتهم» الداخلية، سوف يتحركون في اللحظة المناسبة وكل لحظاتهم مناسبة وعندها فإن هذا البلد الجميل سيصبح ومرة أخرى مشكلة عربية ستضاف إلى المشاكل الأخرى المتفاقمة وكما هو عليه الوضع في الجزائر وفي السودان وفي سوريا وأيضاً، والله يستر، في موريتانيا وتونس وفي اليمن الذي كان سعيداً ذات يوم غير بعيد وأصبح شقياًّ وتعيساً!
لبنان .. الله «يستر»!
11:45 1-7-2019
آخر تعديل :
الاثنين