حتى كتابة هذه السطور، مرّت المسيرة المليونية في الخرطوم ومدن أخرى أمس بسلام، ولكنّنا سنظل نضع أيادينا على قلوبنا خوفاً على السودان، فالمواقف متباعدة بين الأطراف المتصارعة، ولم يستطع المجلس العسكري اقناع القُوى الفاعلة في الشارع بصدق نواياه بالتخلي عن السلطة لصالح حكومة مدنية.
هذه المليونية أتت بعد مفاوضات طويلة لم تسفر عن اتفاق نهائي، وقد تكون المقدمة لمسيرات أخرى، وربّما اعتصامات أمام مؤسسات سيادية، وكلّ هذا سيكون بيئة خصبة لمصادمات وقتلى وجرحى، لا سمح الله، وألمح نائب رئيس المجلس العسكري أمس أنّ هناك مندسين، وقناصة، سيحاولون خلق جوّ المواجهة.
من الصعب فهم حقيقة موقف المجلس المتشدد، مع أنّ خطابه للشارع عكس ذلك، فمن جانب هو يؤكد على أنّ الحكومة ستكون مدنية، ولكنّه في المفاوضات يعود لفرض الاغلبية العسكرية، وينشر قوات الدعم السريع في ترويع للمدنيين، والواضح أنّ هناك أكثر من رأي داخل المجلس نفسه.
الشارع السوداني لا يبدو مهيئاً للتراجع عن موقفه، وهناك شبه توافق على رأي واحد من الأطراف الفاعلة في الحراك، وفي كثير من الأحيان نتابع الشارع نفسه وهو يسبق ممثليه في النشاطات التي حافظت على سلميتها حتى الآن، ولكنّ لا أحد يتوقع استمرار هذا الوضع إلى ما لا نهاية.
يفترض أنّ قلوب كلّ العرب على السودان، ولهذا فمن الغريب أن تكون المبادرة التوفيقية بين الاطراف افريقية وليست عربية، وهذا يعكس الوضع العربي المشرذم المفكّك، وكأنّ لسان حاله يقول: انج سعد فقد هلك سعيد، وبات لا يحسب أدنى حساب للتوحد حول رأي معيّن حتى لو كان بالنسبة لقضية واضحة المعالم، وللحديث بقية.