ما بين الجهر والهمس، وعلى مدى عدة سنوات، هناك حديث عن تعديلات تشريعية عنوانها تنظيم ممارسة النواب لأعمالهم المتعلقة بمهنهم الاصلية. الحديث تحول إلى جدل تخطى وسائل الإعلام إلى الشارع من جهة، والدوائر المعنية بكل مستوياتها من جهة أخرى. وباتت العملية محكومة بوجهتي نظر، أولاها: أن ممارسة النائب لمهنته قد تتقاطع مع ثوابت أدائه تشريعيا ورقابيا. وثانيها: أن المكافأة التي يتقاضاها النائب والبالغة 3500 دينار شهريا، والتي تشكل حلما للكثير من أصحاب الكفاءات قد لا تكون كافية لمتطلباته، وسط تفسيرات بأن يؤدي إلى عزوف الكثير من المختصين عن الترشح للانتخابات.
ويجتهد المعنيون في تفسير أي من وجهتي النظر بما يتواءم مع قناعات أصحابها، وصولا الى تفسير لا يخلو من الطرافة مفاده «أن التعديل إن حدث من شأنه أن يحصر الترشح للبرلمان بالأغنياء».
طرافة هذا الطرح تتمثل بفرضية غير موجودة أصلاً، مفادها أن الفقراء يمكنهم الترشح للانتخابات والوصول إلى القبة.
ومع ذلك، فالقضية من وجهة نظر المطالبين بمنع النواب من ممارسة مهنهم تتمثل بأن تلك الخطوة فيما لو تمت فإنها سترفع منسوب النزاهة، وتبعد أية شكوك أو حتى أية ظروف للشبهة في أداء النواب أفرادا ومجموعات. وأنها ستعزز التحوطات والضوابط التي نص عليها الدستور وبخاصة في الفقرة الثانية من المادة 75 التي تمنع النواب والأعيان من التعاقد مع الحكومة ومؤسساتها والشركات التي تمتلكها سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فالحديث في الموضوع لا يمس نزاهة النواب الذين اكتسبوا ثقة الشارع وحازوا على شهادته بنزاهتهم، والذين يفترض أنهم يخضعون لرقابته الدائمة. غير أن إطلاق مبدأ جواز ممارسة كل المهن إلى جانب العمل البرلماني من شأنه أن يثير بعض اللبس الذي قد يمس العمليتين التشريعية والرقابية.
فهناك إحساس عام بوجود الكثير من الخيوط، بعضها رفيع، والبعض الآخر» غليظ» بين ممارسة بعض المهن والأداء البرلماني. ومع التأكيد على نزاهة السادة النواب، وعلى انهم فوق كل الشبهات، وعلى نزاهة القضاء وعدم وقوعه تحت أي تاثير لأية سلطة من سلطات الدولة، يعتقد البعض أن توكيل أحد المحامين من النواب بقضية فيها شبهة فساد يمكن أن تمس البعد الرقابي في الأداء النيابي.
وهناك الكثير من الأمثلة على احتمالية حدوث «شبهة التداخل» بين أية مهنة وبين البعدين التشريعي والرقابي للنواب «كأشخاص وكمجلس».
ومن بين ذلك ما يتم إبرامه من عقود «استشارات» بعضها تحت مسميات إعلامية وأخرى اقتصادية، مع شركات مملوكة للحكومة وأخرى للقطاع الخاص. خلاصة القول، أن العامل المادي لا يمكن أن يكون مبرراً لإطلاق تلك العملية على مداها الواسع. وبالتالي لا بد من وضع الضوابط التي تبعد أية شبهة عن الأداء البرلماني.
Ahmad.h.alhusban@gmail.com
ممارسة النواب لمهنهم.. أبعد من قضية مادية !!
11:00 22-6-2019
آخر تعديل :
السبت