كتاب

يوم أسود في جرش

يوم أمس الجمعة، ورغم أنه يوم مبارك من حيث قدسيته الدينية باعتباره «الجمعة الأخيرة من رمضان»، وليلة القدر، فقد كان يوما أسود بفعل ما أصاب أحراش جرش.

فما حدث في محافظة جرش يوم الجمعة كان مأساويا، حيث شبت النيران في أكثر من موقع، وأتت على ما مساحته 1200 دونم. منها 800 دونم في منطقة ثغرة عصفور الشهيرة والمتميزة بغطائها الحرجي.

ما يرفع من منسوب المأساة، المعطيات التي تؤكد أن الحادثة مفتعلة، استنادا إلى عدة دلائل. أولها القبض على أحد الاشخاص واعترافه بأنه هو من أشعل النار في أحد المواقع. وثانيها، أن «حرائق ثغرة عصفور» التي تتميز بوعورتها، وبكثافة الاشجار فيها، شبت في أكثر من مكان، ما يستبعد فرضية الحادث العرضي.

في الحادثة النكراء، كثير من المحطات التي تفرض إجبارية التوقف عندها:

من بينها، أن الجاني ومن خلال فعلته النكراء قد أربك الأجهزة المختصة من وزارة الزراعة، والدفاع مدني، والقوات المسلحة، وسلاح الجو والأجهزة الإدارية على مختلف المستويات في الدولة. إضافة إلى الكلفة المالية الكبيرة التي أهدرت بسبب التعامل مع الحريق، وقبل ذلك في كلفة زراعة وصيانة متابعة نمو تلك الأشجار.

وكذلك الكلفة التي ستترتب على أجهزة الدولة من أجل إعادة زراعة ما دمرته النيران، والوقت الطويل المطلوب لإعادة ما دمر كما كان.

ومن بينها مستوى التفكير الجنائي الذي أوصل مرتكب الحادثة إلى هذا المستوى المتدني من المسؤولية بحيث يستبدل مصلحة وطنية عليا، بمصلحة شخصية ـ أياً كانت. ويستنزف جهود مؤسسات وطنية عملاقة من أجل أنانية فردية. ما حدث في جرش، وقبلها في عجلون، وفي العديد من مناطق المملكة من جرائم بحق المساحات الحرجية، يعيد فتح الملف الذي لم يغلق، والذي بحت أصواتنا ونحن ننبه له. فمن غير المقبول أن لا نعترف بأن الإجراءات الرسمية ما تزال قاصرة عن معالجة الخلل من أساسه.

فمع التقدير الشديد للعاملين في الميدان، وأذكر منهم إدارة الزراعة في محافظتي جرش وعجلون، وكلهم من أصحاب السمعة الطيبة، وممن يوظفون كل ما لديهم من إمكانات للحفاظ على الثروة الحرجية وتطويرها، أرى ان القضية تشريعية بالدرجة الأولى.

فإضافة إلى شح الإمكانات المتاحة أمامهم لغايات الرقابة، يبدو أن عجز التشريعات عن ردع الجناة واقتصارها على عقوبات بسيطة يغري مفتعلي الحرائق بمواصلة نشاطاتهم الإجرامية. والمطلوب هنا أن تكون العقوبات رادعة، وتصل إلى مستوى السجن المؤبد. فمن يقدم على حرق 1200 دونم، أعتقد أنه يستحق ما هو أكثر من المؤبد. والكرة الان بمرمى السلطتين التشريعية والتنفيذية، لتحديث قانون الحراج، بما يراعي حجم الكارثة وتبعاتها. بدلا من إبقاء مقدرات الوطن الحرجية محكومة بقانون يناصر المجرمين على أفعالهم النكراء.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com