من أشدّ الأخطار على الجامعة أن يستمرّ طلبتها في التعامل مع البيئة الجديدة التي تمثلها الجامعة على أنّها بيئة مدرسيّة، لأنّ دور الجامعة يختلف كثيراً عن دور المدرسة وإن كان في بعض أهدافه وغاياته استمراراً لأهداف المدرسة وغاياتها.
غير أنّ دور الطالب في الجامعة –كما هو دور عضو هيئة التدريس- ينطوي على عناصر جديدة ويقوم على مناهج جديدة وأساليب مختلفة وأهداف إضافية ويعبّر عنه بلغة ومسمّيات خاصّة.
وممّا يلفت النظر في الجامعة أنّ الطلبة بما فيهم طلبة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) يصرّون على التعاطي مع الجامعة بصفتها مدرسة، وكذلك يقال عن بعض الهيئات التدريسية الجامعية، فالطالب بعد أن ينتهي من الامتحان يقوم بالتخلّص من الكتاب المقرّر ومن دفتر محاضراته، وأحياناً يطرحها في حاوية النفايات أو يلقي بها في ممرات الجامعة، وكأنّه يعلن انقطاع صلته تماماً بما درسه في تلك المادّة.
ويقال الأمر ذاته عن الإلحاح الممجوج في طلب العلامة والاستمرار في السؤال عن طبيعة أسئلة الامتحان وعن المادّة الداخلة في الامتحان، وغير ذلك من الاهتمامات التي ينشغل بها طلبة المدارس عادة ويستجيب لها أعضاء الهيئات التدريسية.
وبلغ الأمر أن يطلق الطلبة والأساتذة والإداريون على متعلّقات الدراسة الجامعية مسمّيات مدرسيّة، فيقولون: حصّة بدلاً من محاضرة، ويقولون: الصفّ بدلاً من قاعة المحاضرة، ويقولون سعر الساعة المعتمدة، بدلاً من رسوم الساعة المعتمدة، فالمادة الدراسية ليست سلعة تباع وتشترى ويساوم عليها وتجري عليها تنزيلات موسمية، ويقولون: أنهيت الدراسة بدلاً من تخرّجت، لأنّ الدراسة لا تنتهي أصلاً. ومن أكثر العبارات ابتعاداً عمّا يليق بالجامعة أن يقول الطالب: (خشّيت) الجامعة، أو (خشّيت) السنة الأولى، أو (خشّيت) تخصّص كذا، إلى آخره.
إنّ الالتحاق بالجامعة هو في الأصل مرحلة تطوّر يرقى فيها الطالب علميّاً وبحثيّاً وسلوكيّاً ومنطقاً ولغةً وجوهراً ومظهراً. ولذلك فإنّ عليه وعلى كلّ من ينتمي للجامعة طالباً كان أو عضو هيئة تدريس أو إدارياً أو عاملاً أن يرتقي بنفسه ولغته وذوقه وسلوكه إلى مستوى الرسالة السامية التي تحملها الجامعة وتسعى إلى تحقيقها.