لذكرى استقلالنا في هذا العام ألقٌ خاصّ، إذ تحلُّ في أبرك الشهور والليالي وعلى أعتاب عيد الفطر المبارك وعقب الأعياد المجيدة.
كما أن لها ميزة دائمة تحيي مشاعر الفخر في وطنٍ لم يُحتلّ على ظهر دبّابة سَطت على أرواح ودماء أبناء جلدتها أو بإئتلاف فئةٍ إنقلبت فسيطرت على أذرع التحكم فيه، بل أن هذا الحمى الأشمّ قام على كبرى ثورات العرب وأشرفها تاريخيّاً ليُبنى عقده الإجتماعيّ بتكاتف أسلافنا مع شريف العرب الهاشميّ الحسين بن علي طيب الله ثراه، ليستحق الأردن بأن يكون موئل الأحرار منذ الأجداد حتى الأحفاد، الحكّام والشعب على حدٍّ سواء.
ومن حقنا أن نفتخر ونأمل بغدٍ أفضل، فما أنجزناه في ظلّ مواردنا الشحيحة والمتواضعة وبالمقارنة مع غيرنا عظيم، إذ لم تكن ثروات الأرض ومعادنها سرّ قيام هذا الوطن وبقاءه بل معدن شعبه الأبيّ وإنتماءه هي أسرار الوجود والصمود، وهذا ليس بكلامٍ إنشائيٍّ بل واقعٌ سُطِّرَ على الأرض بهممٍ لا تنحني إلّا لباريها وعزائم لا تنثني إلّا بلقاءه جلّ وعلا.
وتزامناً مع إحياء الذكرى العشرين لتقلّد جلالة الملك سلطاته الدستورية، المنذور من الحسين العظيم طيب الله ثراه ليكون جندياً عربيّاً مصطفويّاً، نستحضر ما قطعه جلالته من عهدٍ على نفسه منذ بواكير عهده في الحفاظ على الرابط الوثيق بينه وبين أبناءه وبناته تماماً كما كان الحال عليه خلال مسيرته في الجنديّة المشرّفة، إبناً وأخاً لكل نشميٍّ ونشميّة، فباشر سياسة الإنفتاح منذ اليوم الأوّل ملكاً لهذا الشعب الوفيّ، وهو الذي تخفّى ليلمس الخلل عن كثب، وآثر بعد العشرية الأولى في الحكم أن يشاركنا جزءا يسيراً من التحدّيات والمعطّلات التي كانت وما زال بعضها يتجاذب أوصال الوطن، سواء الخارجيّة الطامعة أو الداخلية الطامحة الخاشية على نعيمٍ مقيم أو من عقابٍ أليم، فجاء كتابه «فرصتنا الأخيرة» كاشفاً لبعضٍ ممّا واجَهَنا وواجهناه بعزيمة وثبات، مخاطباً كل فرد منا بلا حجابٍ حاجز، ثم بسط يمناه إلى شعبه عبر سلسلة أوراق نقاشية ليعزز حالة الحوار وليضطلع كلّ منّا بمسؤوليّاته تجاه الأمة والوطن بتكاملٍ من رأس الهرم وحتى أدناه لإستكمال مسيرة البناء والعطاء بشراكةٍ وشفافيّةٍ على أساس قويمٍ شديد ورأيٍ جماعيّ سديد.
وأمام ما يعصف بعالمنـا اليوم من أزمات إقتصادية خانقة ألقت بأعباء إضافية طارئة على وطننا الغالي كاللجوء والإستنفار العسكريّ على الواجهات الحدودية، فُرض علينا كما غيرنا واقعٌ أكثر صعوبة لكننّا وبحمد الله إستطعنـا أن نتجنب كارثية آثاره على الأقل بالحكمة والوسطية، وعند الحديث عن المستقبل فإن التفاؤل هو العنوان، فالأمة التي تجاوزت شتّى أشكال المِحَن والفتن قادرة بعون الله وحكمة قيادتها وتماسك أبنائها وبناتها أن تستكمل المسيرة.
ولا يخفى على أحدٍ منّا ما أدّى إليه خروج البعض عن سياق العدالة الإجتماعية والإستقامة الوظيفية من آثارٍ آذت عصباً مهمّا في مجتمعنا، ما إستلزم التعامل معها ومعالجتها باللِّين تارةً وبالشِّدة تارةً أُخرى، وفي ذات السياق، خَطَت المملكة مع بدايات الملكية الرابعة خطوات عظمى على صعيد مكافحة الفساد وتبوّأت مكانة جعلت منها أنموذجاً ومرجعاً في المحافل الدولية ومؤشراتها كافة، لكن وبكل أسف، تراجعت الهمم والجهود لأسباب بعضها عفويٌّ وأُخرى مقصودة ضرّها الجهد وتعرّض لمصالحها، وها نحن اليوم نأملُ ونسعى لإستعادة عافيتنا عبر دعم الجهات المعنية بما يلزم من إصلاحات تشريعية ودعم ماليٍّ ولوجستيّ لتعمل ضمن الغطاء الملكيّ الذي لم ينقطع عنها يوماً حتّى كسر ظهر الفساد.
إن المُطالع والمتابع للخطابات والخُطى الملكيّة لَيلمَسُ فيها روحاً لملكٍ تتلمذنا وإياه في مدرسة الحسين العظيم، ملكٌ آمن في مصنع الرجولة العربي المصطفوي بأهمية العقيدة وأستنهضها في أحفاد الكرامة الذين سطّر أجدادهم أسمى معاني الإنتماء والتضحية للوطن الغالي، ليس بعتادٍ وعُدّة بل بعقيدة وإيمان وكرامة، وطنٌ حمى عزّته ثمّ جنح للسلم بسلام شجعان تحت الشمس نزولاً عند قوله جلّ في علاه «وإن جنحوا للسلم فإجنح لها»، فكنّا وسنبقى قادة في الحرب وفي السلم، فالعقيدة ركنٌ وسلاح.
ورغم قلة حيلته، بقي الأردن بشموليّة نظرته وقوة مؤسساته وكرامة شعبه الملجأ والمُغيث لأبناء وبنات أمّته من المستضعفين، وهذا دِينٌ وديدنٌ لبلدٍ شهد القاصي والداني بنخوته ونشميته.
وفي عالم تحكمه المصالح، وفي إقليم تحفّه المطامع، لا بدّ وأن تتخير الدول من بين خارطة التحالفات ما يضمن لها العون لدى الحاجة والدعم اللازم لمواصلة البناء، فإتجه الأردن نحو أقوى الأحلاف وأكثرها إستقراراً منذ زمن ولم يندم يوماً، فالتحالف يعني التقارب وليس التطابق بالضرورة، والحليف القويُّ لا يبحث إلّا عن القويّ من الحلفاء، وعلاوة على ذلك فإننا ننفرد مع قلة من الدول حول العالم بميزة وهو أننا أصدقاء للجميع، فالأردنّ مفتوح الأبواب والقنوات، كبيرُ قومٍ لا يحمل الحقد، مرحّبٌ به في كل المحافل وعلى الصُّعد كافة، ولهذه الميزة قيمتها في إشاعة الطمأنينة والسكينة عند الحديث عن المستقبل، وما هي إلّا ثمرة حكمةٍ وحنكةٍ ودبلوماسيةٍ ومناوراتٍ لم تكن سهلةً في يوم من الأيام، وغنيٌّ عن القول أن الكثير من الدول عجزت عن إدارة حساباتها بهذه الإحترافيّة لا بل دفع العديد منها الثمن سلباً وسيدفع حتماً. أما الأردن، وعند الحديث عن الثمن، فقد تحمّل وسيتحمل في سبيل رسالته العروبية والإسلامية السمحة الثمن مهما بلغ، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وستبقى القدس بمآذنها وكنائسها خطاً أحمراً كما هي الدماء التي روّت عتباتها الشريفة منذ الشهيد الملك المؤسس عبد الله الأول طيب الله ثراه وحتى آخر جندي في الجيش العربي المصطفويّ.
أمّا الأمن والأمان، فيمتعض البعض من التغنّي بهما ظنّاً منه بأنّهما بديلٌ للإصلاح أو أنّها مِنّةٌ للدولة على المواطن، وكلا الفكرتين ليس بصحيح، فإن كان هناك فضلٌ فهو لله أولاً وللقيادة الحليمة الحازمة ثانياً، وإذا كان هناك جميلٌ فهو للمواطن المنتمي الواعي المنضبط المجبول على الخير، ولن يكون الأمن بديلاً عن الإصلاح الشامل المنشود بل هو أساسه وركن بناءه الأول، وهـا نحن اليوم إذ نؤسِّسُ وعلى أعلى المستويات لحياة أكثر إنفتاحاً وديمقراطية، فالقيادة التي لم ترتضي بأن تعلّق مسيرة الإصلاح على حدثٍ لن تسمح لحادثٍ بأن يعيقها.
لا تغيب عن ذهني تلك الحرقة في حديث جلالة الملك لدى تشرّفي بلقاءه مؤخراً حينما أفصح عن الأرق من آفتي الفقر والبطالة والأسى على المليارات التي إستُجلبت للمملكة على شكل إستثماراتٍ غادر الكثير منها بين معيقاتٍ بيروقراطية وعيوب تشريعية وفساد ماليّ أو إداريّ، لكن وبذات الروح والعقيدة المُلهِمة لا ينفكُّ جلالته عن السعي لجذب المزيد منها مراهناً على شعبه الواعي، وإنّ من جلبها لقادرٌ بعون الله أن يجلب غيرها حتى نصل إلى ما نصبو من رفاه وأمنٍ إجتماعيٍّ، فكرامة الأردنيين والأردنيات والعدالة الإجتماعية والأمن المجتمعيّ خطوطٌ حمراء لا تغيب عن السّدة الملكيّة في الحلِّ والتّرحال، في الأقوال وما يتلوها من أفعال.
ولقد فُرِض على الأردنّ، الحامل لراية السلام والحامي لرسالة الإسلام أن يواجه قوى الشرّ والظّلام، وما من جبهة أصلب من الوحدة الوطنية والوئام لتتكسّر عليها الأطماع، وقد فاز بهما الأردنّ منذ زمن بعيد قبل أن يتوّج بهما عالميّاً كما يستحقّ.
إن الإصرار على مواصلة الإصلاح وإعلاء كلمة الحق وتعزيز المشاركة السياسية المسؤولة ما هي إلّا واجباتٌ على المواطن تجاه وطنه، وكما في القانون فهي كالدَّينِ محمولٌ لا مطلوب، والموظّف مسؤولٌ أمام الله والوطن والمليك، والسياسيٌّ معنيٌّ بالإنفتاح والمقارعة بالدليل والحُجّة والبرهان، والإقتصاديُّ مطالبٌ بتقديم ما يستطيع من دعمٍ وأداءٍ لواجباته الضريبية والتنظيمية، والفنّان صاحب رسالةٍ وفكرٍ وأمل، وعلى كلّ من يستطيع البذل أن يزرع في وطنه، فوطن اليوم هو حصاد بناء الأمس، ووطن الغد نتاج ما نزرع اليوم.
كلّنا خير سفراء لبلادنا، ومن واجبنا تكثيف الترويج السياحي فرادى وجماعات وأن نشمّر عن سواعدنا لتكون العمالة الأردنية التي أحيت العالم من حولنا في مكانها الذي يستحقها، ولنطلق العنان لأفكارنا البراقة وطاقاتنا الخلّاقة التي تميزت رياديّاً، ولنجعل منصّاتنا مرآةً لمحبّتنا وكرامتنا ومروئتنا، فنحن غرسٌ سليمٌ قويمٌ ووطننا الذي نحتفي بإستقلاله وطنُ سادةٍ لم يَلِقِ بهم سوى حكم أسياد بني هاشم أحفاد خير الأنام محمّد العريّ الهاشميّ الأمين عليه الصلاة والسلام.
لقد تعرضت المسيرة وستتعرض للكثير من التحديات، لكن القادم مبشّر ما دامت عين الله ترعانا، وما دام هذا الشعب القويّ العصيّ الذي يجعل همّ الأمّة نصب عينيه صامدٌ مرابطٌ ومُترابط، يعمّر أوطانه كما عمّرها من قبل الآباء والأجداد، وطالما إحتلّ أسلافنا الصدارة في شتّى المجالات يكون من حقِّ الخَلَفِ علينا أن نبقى كذلك بعزائم لا تلين لها قناة.
حفظ الله الأردن المختلف المتميّز عن غيره في ثورته وإستقلاله، وأدام قيادته الراسخة فخراً، وشعبه الأبيّ سنداً وذُخراً.
وكلُّ عامٍ والوطن ومليكه بكلّ الخير.