سألت عينة عشوائية من اشخاص جمعتني الظروف بهم خلال الشهرين الماضيين، وفي حدود ما سمحت به مساحة التحاور معهم، فيما اذا كانوا قد سمعوا باسم (جاسيندا أرديرن) فكان الجواب بالنفي! وتعمدت ان يكون من سألتهم من المتابعين للأخبار وللأحداث الكبيرة !
عندما طرحت سؤالي الثاني فيما اذا كانوا قد سمعوا بالهجوم الإرهابي الذي وقع في نيوزيلاندا وتحديداً في مدينة (كرايستشيرش) في آذار الماضي أجاب جميعهم بالإيجاب. لكن التفاصيل لديهم كانت متباينة وغير دقيقة. بعضهم لم يعرف أنه في نيوزيلاندا توجد جالية من المسلمين استقروا فيها منذ عشرات السنين، وأصبحوا مواطنين يتمتعون بكامل حقوقهم مثلهم مثل باقي سكان البلاد البالغ عددهم حوالي 5 ملايين نسمة، غالبيتهم الساحقة من أصول انجلوسكسونية.
بعضهم تذكر أن الهجوم الارهابي حدث في مسجد (النور) أولاً ثم انتقل المهاجم وهو يوثق فعلته بكاميرته الشخصية إلى مركز (لنوود) الإسلامي القريب ليصل عدد الضحايا في الموقعين إلى 51 بين رجل وطفل وامرأة وعشرات الجرحى.
اما (جاسيندا ارديرن) ووظيفتها رئيسة وزراء نيوزيلاندا منذ انتخابها عن حزب العمال عام 2017 فقد تبنت منذ اللحظات الاولى لانتشار أخبار المذبحة موقفاً قوياً ومتعاطفاً مع الجالية المسلمة، أتبعتها بخطوات عملية تشريعية محددة داخل البرلمان، تفرض قيوداً مشددة على اقتناء الاسلحة الهجومية في بلدها. إضافة إلى زياراتها المتكررة إلى أفراد الجالية المسلمة وتصريحاتها المتعددة حول التسامح الديني وتقبل الآخرين وإدانة الكراهية والعنصرية أينما كانتا. لقد تحول ذلك التاريخ في نيوزيلاندا إلى يوم وطني للحزن والتأخي.
لم تتردد رئيسة وزراء نيوزيلاندا منذ ذلك اليوم أيضاً في توضيح وجهة نظرها حول ضرورة حل الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين المبني على إقامة دولتين مستقلتين، كما دعت باستمرار الى رفع الحصار الجائرعن قطاع غزة.
آخر مبادرات رئيسة وزراء نيوزيلاندا أنها أطلقت من باريس وبالتشارك مع الرئيس الفرنسي ايمانويل مكرون (نداء كرايست شيرش) ضد التطرف والإرهاب على الإنترنت بحضور رؤساء دول وحكومات وحوالي 60 شركة رقمية دولية تحت عنوان أشمل (التكنولوجيا من أجل خير البشرية).
ولعل الأردن هو الدولة العربية الوحيدة التي شاركت في هذا اللقاء النوعي المهم لمحاربة الإرهاب والتطرف حيث قدم جلالة الملك عبد الله الثاني شهادته حول تأثير (اجتماعات العقبة) التي عقدت مؤخراً لهذا الغرض.
ما فعلته المسؤولة النيوزيلاندية منذ وقوع المجزرة الرهيبة في بلدها من أجل نشر روح التسامح بين الشعوب، ونبذ مشاعر الكراهية والتطرف يستحق أكثر من الاحترام والتقدير.
(جاسيندا ارديرن) اسم يجب أن يحفظه جيداً كل شاب وشابة في العالمين العربي والإسلامي ويقرأون عن حامله ويتداولونه في أحاديثهم اليومية، لأنها ضربت أصدق مثل على إعطاء الأولوية للمبادئ الإنسانية النقية بدل الالتفات لدعوات التفرقة والتمييز المبنية على الجهل.