في حادثة ليست الأولى، هالني حجم التعليقات على خبر التحقيق مع رحالة أردني استخدم طائرة دون طيار بلا تصريح أمني، وأزعجني الكمّ الذي عابَ إجراءات السُّلُطات المعنيّة قبل الإفراج عنه إذ عُدَّت من قبيل كَبتِ الحرّيات ولَجمِ الإبداع، لا بل ظهرت الدولة بوليسية ومرعوبة.
وفي بعض المصطلحات ما يُسقِطُ–عفواً لا قصداً–حالة من التغوّلِ والتجاوز على حقوق المواطنين، فالإيحاء الملازم لمصطلح «اعتقال» يؤشِّرُ على إجراءٍ (أمنوسياسي) خارج مظلّة القانون، بينما هو استقصاءٌ من صلاحيات الضابطة العدلية المنابة، قد يرافقه توقيفٌ احترازيٌّ مؤقّت ومصادرة ما يخالف القانون إن وُجِد، في حين أن الاعتقال كمصطلح هو عقوبةٌ نهائيّةٌ تقترن بحكمٍ قطعيّ وردت في قانون العقوبات لا على سبيل الإجراءات الأوّلية.
كما أنّ السُّلُطات في هذا الباب مُسيّرةٌ ضمن إطار الواجب لا مُخيّرةٌ بين الفعل أو التّرك كما في الحقّ، وتخضع في هذا لسلطان القانون لدى التراخي أو التقصير.
وإنّ مقدار الأمن الذي يرغبه المواطن الأردنيّ ويستحقّه مرتبطٌ بفعالية الدور الوقائي ودرجة الحساسية الأمنية القائمة على استشعار الخطر، بحِرفيّةٍ وجاهزيّةٍ وفي سياق القانون، دونما إفراطٍ أو تفريط.
لست بصدد الإضاءة على حادثة مرّت، لكن النّقد غير المبرّر قد تكرّر غير مرّة وتحكمت العواطف في أحكامنا، وما حادثة الجفر إلّا دليلٌ على هذا وسبقها كما تبعها الكثير من جَلد الذّات وهنا العبرة، فمنظومة الأمن العامّ تستدعي الحفاظ على السيادة ومصالح الدولة ومواطنيها، لا سيّما في ظلِّ ما يُحاك على صُعُدٍ عدّةٍ تستهدف في مُجملها مكانة الأردنّ وعصبه العصيّ من وحدة وطنيّة وإحترافيّةٍ عسكريّةٍ وشُرَطيّةٍ وسيادة قانون.
وكما يتوجب علينا أن ندعم الحريات المسؤولة، يستلزم منا وبالتوازي أن نمكّن الأمن في جهوده لجعل المنصّات الإلكترونية معول بناءٍ وثقةٍ لا هدمٍ وتشكيكٍ يترك لدى المتابع الخارجيّ صورة مشوّهة لحقيقة جهاز الأمن الأردني الملتزم بالقانون والمحتكم إليه.
لا يمكن الاتفاق عند الحديث عن منسوب الحرية، فالطرديّة ترافق الشهيّة الراغبة بالمزيد منها، لكن الفرق بين النّقد وجلد الذات كبير، وكما نقف مع فضح أيّة ممارسات سلبيّةٍ ونطالب بحصانة لمن يؤشّر عليها، علينا أن نتّفق بأنّ واجب الأمن مقدّسٌ طالما راعى القاعدة الفقهيّة «لا ضرر ولا ضرار والضّرر يُزال».
تلكُم رسالة للإعلام والنّشطاء، فتراكميّةُ الذّمّ سلبيّة الأثر، وفي الاستيثاق حفاظٌ على الوطن ومؤسّساته وإنجازاته.
تجارة الحرّيّة
12:00 5-5-2019
آخر تعديل :
الأحد