الدولة العبّاسية وعاصمتها التاريخية بغداد، بدأت في الحميمة الأردنية، وإذا كانت الصحراء الممتدّة بين البلدين تتحدّث فستقول إنّ طرقها كانت عامرة عبر التاريخ، بالتجّار والعسكر والسياسة، وإذا كان التأريخ يكذب أحياناً، فالجغرافيا لا تعرف الكذب!
وتستغرق الرحلة الجويّة إلى بغداد نحو ساعة فقط، ولكنّها كانت ممنوعة علينا أيّام الحصار الطويل، وهكذا فكنّا نذهب إلى هناك بحافلة تأخذ من يومنا كلّه وبعض ليلنا أيضاً، على أنّه لا بدّ للأردني من بغداد مهما طال السفر، وأظنّ أنّ ذلك كلّه كان يحصل مع العراقيين، بالطريق المقابل.
في يوم من أيام زمان، كنّا في بغداد نتجوّل في الشوارع والأزقة الحميمة، وإذا بصديقنا عبد الله العتوم يفترق عنّا، ويعود بعد قليل ببضاعة تسوّقها لأنّها أعجبته بنوعيتها وسعرها، ولكنّنا اكتشفنا في الفندق أنّ العلامات عليها تقول: صُنع في الأردن!
في عمّان، هناك عراقيون كثر، والمطاعم والأحياء والأغاني المنبعثة تدلّ عليهم، والمسقوف صار أكلة مطلوبة وأحسنها من السمك الآتي من دجلة، وهناك شارع في الرابية صار يُسمّى شارع العراقيين، مع أنّ إسمه الرسمي ليس كذلك بالطبع.
كانت طائرة الحسين بن طلال آخر واحدة تصل وتغادر بغداد قُبيل الحصار، في محاولة يائسة منه لمنع امتداد الشرّ، وكانت طائرة عبد الله بن الحسين أوّل طائرة تهبط على المدرج نفسه لفكّ الحصار، وتضمّ وفداً مثّل كلّ الأطراف الأردنية برئاسة المهندس علي أبو الراغب.
لم يهنأ العراق منذ أربعين سنة بيوم واحد من الهدوء، فالحرب مع إيران واجتياح الكويت وحرب «عاصفة االصحراء» والحصار واحتلال بغداد والفتنة الطائفية وموجات الارهاب المتكررة، كلّها أنهكت جسد البلد الحبيب، ولكنّه ينهض الآن من جراحه وأوجاعه متعافياً بإذن الله، ليعود البلد الذي لا تكتمل العروبة إلاّ به.
ما نشهده هذه الأيام من تطوّرات إيجابية في العلاقات الأردنية العراقية هو عودة القطار إلى السكّة، والاتفاقات الجديدة تعد بالكثير من الرخاء للبلدين، وما دامت طريق بغداد عمّان سالكة فالخير سيمرّ عبرها بالضرورة، وللحديث بقية!