كتاب

عالم الأحزاب الافتراضي

ترجع نشأة الأحزاب الحديثة إلى أوائل القرن الماضي أبان الحكم العثماني على شكل جمعيات سياسية ذات طابع قومي حماسي او ديني سلفي، وبعد ذلك قامت أحزاب تدعوا إلى الاستقلال وعدم التبعية للانتداب البريطاني الفرنسي الذي اصبح يهيمن مع السلطات التقليدية على شؤون البلدان العربية، ثم جاء عهد الاستقلال الذي تشكلت فيه احزاب ذات نزعات ثقافية متعددة كان اغلبها يطرح وعودا وبرامج افتراضية يسعى لتحقيقها على خلفيات قومية ودينية وعلمانية يسارية ومحافظة بتصور مستقبلي افتراضي يستهدف الشعوب العربية التي خرجت لتوها من التخلف والتبعية، وتحتاج الى فترة زمنية للاستقرار والهدوء والوحدة والتنمية على مختلف الصعد، ومحاولة بناء حياة سياسية ديمقراطية على قاعدة انتخابات حرة نزيهة من خلال واقعها الحياتي ونمطها الاجتماعي المستمد من طبيعتها السكانية وأصولها التاريخية من أجل بناء الدولة العربية الحديثة.

وتجربة الأحزاب المتعثرة التي واكبت تلك المرحلة، وبلورت أفكاراً حزبية هجينة غريبة على سمع وفهم المواطن العادي ذي الولاء العربي الاسلامي، جاءت أما من ثقافة أجنبية مستوردة لاتلائم طبيعة المجتمع العربي، أو تراثية مبتسرة تم طرحها على المجتمعات الناشئة الامر الذي اوجد شرخا وانقساما في بنية وهيكلة المجتمع العربي تحت وطأة الشعارات الحزبية المختلفة المشارب والغايات، والوعود المسبقة التي قد لا تتحقق بالضرورة، وتدخل في باب التمنيات والعواطف الجامحة، وتحيل العمل الحزبي الى قفزة في المجهول، ومغامرة سياسية تفتعل الازمات وتخلط الاوراق، وتجر البلاد والعباد إلى مستنقع الصراع المكشوف والدامي على السلطة، وتنتهي لاحقاً بسيطرة الأقلية أو الفرد الواحد على مقاليد الحكم.

والاصول الفكرية والمرجعيات الأولية للمفاهيم الحزبية كمفهوم القومية الذي يمجد العرق والعنصر ذي الاصول الاجنبية الدخيلة على الفكر العربي، ولا يتوافق مع النزعة الانسانية المعاصرة او الاسس الاخلاقية والعلمية، بالاضافة الى الافكار العلمانية واليسارية المتطرفة لتغريب الذات الجماعية للأمة وسلخ الشعوب عن هويتها، كذلك توظيف الدين في السياسة ضمن تصورات وقوالب حزبية قاصرة، الأمر الذي أوجد حالة من الضبابية، وعدم وضوح الرؤية وانقسام المجتمع الواحد إلى فئات شتى مما يفسر عزوف الناس عن المسارات الحزبية التي لم تقدم شيئا يذكر على صعيد التنمية، أو إيجاد حل للمشكلات الانسانية والاجتماعية القائمة، أو السلام الاجتماعي المنشود، والاكتفاء باللجوء الى صندوق الانتخاب كخيار ديمقراطي بديل يفرز تمثيلاً شرعياً نسبياً يخدم الظروف الاستثنائية التي يعاني منها المواطنون، ويستخلص العبر والنتائج من الماضي الذي اعطى صورة سلبية عن الفئات الحزبية المتصارعة انطلاقا من مصالحها الذاتية، بعيداً عن المبادئ والمثل ومصلحة الجماهير الكادحة.