حين كانت تغنّي أم كلثوم، في أوّل خميس من كل شهر، كان يصمت العالم العربي ويستمع. حتّى هؤلاء الذين كانوا يشتمونها لسبب أو لآخر، كانوا يسكتون لحظتها ويستمعون. وحين كان لقاء صوتها مع موسيقى عبد الوهاب، سمّاه الصحافيون: لقاء القمّة. كان ذلك بُعيد إنعقاد أوّل قمّة عربية سياسية، بقليل!
مرّ على تلك الأيام خمسة وستون عاماً، ومع ذلك فحين تقول لصاحبك، أو صاحبتك، الآن: «فات الميعاد»، فكأنّك تردّد مثلاً دارجاً في اللغة العربية، ولكنّك في حقيقة الأمر تُكرّر عنوان أغنية لأمّ كلثوم، ولمّا تقول: «أعطني حريتي»، فأنت تردّد مقطعاً من الأطلال، لا من أدبيات الثورة الفرنسية التي قامت في الرابع عشر من تموز وقعدت، فقد صارت كلمات إغاني «سومة» أمثالاً تُستخدم حتى الان.
ويستمع الشباب الآن إلى أغاني «الست» بصوت الأخريات والآخرين، وكثير منهم لم يستمعوا إلى صوت أم كلثوم نفسه، ولكنّ التقليد لا يمكن أن يرقى إلى الأصل، وحين تكون هناك مسابقات للأصوات الجديدة تكون أغانيها هي وعاء الإختبار، وحتى أسماء الأماكن فقد حملت منها عناوين أو مقاطع لسيدة الغناء العربي.
سؤالنا هنا، مع تسارع التغيّرات في حياتنا، وتراجع الذائقة الفنية والثقافية على كلّ المستويات: ماذا لو تأخّر ظهور أم كلثوم سبعين عاماً، وأتتنا بصوتها وإمكانياتها وشعرائها وموسيقييها، فهل سيكون لها مثل ذلك الحضور الذي هو لها الآن، وهل ستستطيع منافسة فنانات لا يستخدمن سوى الشكل واللغة الهابطة والتنانير القصيرة؟
تُرى: هل «فات الميعاد» لاعادة انتاج نهضة ثقافية وفنيّة عربية، كتلك التي مثّلتها سيدة الغناء العربي، أم أنّ هناك أملاً بأن ينتظر الشعب العربي خروج أغنية أو مقطوعة موسيقية أو قصيدة أو رواية أو لوحة تشكيلية، وللحديث بقية!