تتمتع ظاهرة عسكرة الطفولة وتجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة بأهمية فائقة، فرغم المواثيق والمعاهدت الدولية التي تشدد على تجريمها فهي منتشرة على نطاق واسع في مناطق الحروب والنزاعات المسلحة، حيث تستخدم الأطراف المتنازعة الأطفال كجنود وأسلحة حربية مفضلة، ففي كتابه «يقاتلون كالجنود يموتون كالأطفال»، يصف الجنرال السابق في قوات حفظ السلام في الكونغو، بعد حربها الأهلية، روميو دالير، الأطفال بأنهم «السلاح الأمثل في الحروب». وبحسب دالير، يُبدي الأطفال قابلية لتعلم أشياء جديدة أكثر من البالغين، وتكلفة إعدادهم قليلة؛ مقارنة بالأكبر منهم سنًا. كذلك يبدون ميلًا إلى الطاعة، سواء بدافع الخوف أو الترغيب، ويتمتعون بخفة في الحركة، تتيح لهم التنقل براحة في الجبهة، ونقل الطعام، والعمل مخبرين عن أهلهم وأصدقائهم، وصولًا إلى استعمالهم أدواتٍ جنسية ودروعًا بشرية.
حظيت قضية تجنيد الأطفال باهتمام دولي واسع النطاق تجسد عام 2007 في مبادئ باريس التابعة للأمم المتحدة بشأن انخراط الأطفال في الصراعات المسلحة، حيث جاء من أبرز مبادئها اعتبار أن استخدام الأفراد دون الخامسة عشرة عامًا في الصراعات المسلحة يُعد جريمة حرب من قبل المحكمة الجنائية الدولية. عرّفت الأمم المتحدة الطفل في النزاع المسلح بأنه: أي طفل يرتبط بقوة عسكرية أو بجماعة عسكرية دون سن الثامنة عشرة من العمر، ولا يزال، أو كان مجنّدًا، أو مُستخدَمًا بواسطة قوة عسكرية، أو جماعة عسكرية في أي صفة، بما في ذلك -على سبيل المثال وليس الحصر- الأطفال والغلمان والفتيات ممن يجري استخدامهم محاربين أو طهاة أو حمّالين أو جواسيس أو لأغراض جنسية.
ويعتبر تجنيد واستخدام الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر للعمل، بوصفهم جنودًا، أمراً محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني، وطبقًا للمعاهدات والأعراف، ويُعرّف بوصفه جريمة حرب، من جانب المحكمة الجنائية الدولية. وفضلًا عن ذلك؛ يُعلِن قانون حقوق الإنسان سنّ الثامنة عشرة، بوصفها الحد القانوني الأدنى لعمر التجنيد، ولاستخدام الأطفال في الأعمال الحربية، وتضاف أطراف النزاع التي تجنِّد وتستخدِم الأطفال في قائمة العار التي يصدرها الأمين العام سنويًا.
في هذا السياق يحظر البروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاع المسلح التي صادقت عليه 142 دولة، التجنيد الاجباري للأطفال. وتطلب المادة 77 «حول حماية الأطفال»، من الدول اتخاذ جميع التدابير الممكنة؛ كي لا يشترك الأطفال الذين لم يبلغوا 15 عامًا من الأعمال القتالية المباشرة، وأن تمتنع عن تجنيدهم في قواتها المسلحة. وتوضح مبادئ باريس التي تتضمن قواعد ومبادئ توجيهية بشأن الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة، أو الجماعات المسلحة التي أُقرت في شباط/ فبراير2007 المعرفة والتجربة الإنسانيتين العالميتين في العمل؛ من أجل منع التجنيد، وحماية الأطفال، ودعم إطلاق سراحهم من القوات أو الجماعات المسلحة، وإعادة دمجهم في الحياة المدنية.
ركز مؤتمر باريس الدولي للقضاء على تجنيد الأطفال في الحروب، تحت عنوان: «حرروا الأطفال من الحرب»، على منع تجنيد الأطفال، والآليات اللازمة للتعامل مع هذه القضية، بما في ذلك إعادة التأهيل والاندماج والعدالة الإصلاحية. وأعلن دعمه لجميع المنظمات غير الحكومية ذات الأحجام المختلفة لمنع القاصرين من القتال في جميع أنحاء العالم، وفي عام 1998، تحالفت ثماني منظمات رئيسة لحقوق الإنسان، من بينها منظمة العفو الدولية، ومنظمة (هيومن رايتس ووتش)، لتشكيل ائتلاف من أجل وقف استخدام الأطفال المُجنّدين، وبعد أربع سنوات، جعلوا يوم 12 شباط/ فبراير «يوم اليد الحمراء» لرفع مستوى الوعي ووقف استخدام الأطفال المُجنّدين. وقد عدّت منظمة العمل الدولية موضوع تجنيد الأطفال من أسوأ أشكال عمل الأطفال.
رغم أن تجنيد الأطفال ظاهرة متجذرة في تاريخ الحروب والنزاعات المسلحة، إلا أن صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) 2014، سلط المزيد من الأضواء على ظاهرة عسكرة الطفولة، فقد أبدى التنظيم عناية فائقة بتجنيد الأطفال، باعتبارهم جنود المستقبل و«جيش الخلافة الاستراتيجي» حسب أحد عناوبن كتب التنظيم، وقد باتت ظاهرة «أشبال الخلافة» تشكل قلقا متزايدا منذ هزيمة التنظيم عسكريا ونهاية سيطرته المكانية كليا على مساحات واسعة في العراق وسوريا وأفول مشروع التنظيم السياسي كدولة «خلافة»، بداية 2019، لكن لم تلحق هزيمة نهائية بالتنظيم حيث تحول إلى العمل كمنظمة سرية تتبع نهج حرب العصابات.
أظهر التنظيم وبشكل بارز الأطفال في دعاياته وأطلق عليهم «أشبال الخلافة»، وقد أصدر التنظيم أشرطة عديدة ومتنوعة خاصة بالأطفال الجنود تتراوح اعمارهم بين 10 سنوات و15 سنة وهم يتدربون، ويظهر احد الافلام الأطفال وهم يقومون باعمال قتل بطرائق فظيعة تحت إشراف اعضاء من التنظيم، ويصور أحد الفديوهات الفتيان الشباب المشاركين في تمرين بالذخيرة الحية حول كيفية التسلل الى مبنى سكني والسيطرة عليه، ويتعلم الأطفال كيفية التعامل والدخول الى العقار قبل الانتقال من غرفة الى غرفة، ويتعلمون ايضا كيفية إلإخضاع والسيطرة على الساكنين لاستخدامهم كرهائن محتملين، ويتم تدريب الأطفال ايضاً على القنص، ويدرسون كيفية نصب الكمائن لسيارات متحركة، وقد باتت الأشرطة المصورة التي تظهر الأطفال كأشبال الخلافة جزءا من الدعاية.
حسب ميا بلوم في مقالة بعنوان «أشبال الخلافة» جنّد داعش بعض الأطفال بالقوة أو الإكراه، بينما التحق به أطفال آخرون بضغط من أقرانهم، أو الأسرة، أو الحاجة إلى المال، أو الهروب من المشاكل العائلية، أو الارتقاء في السلم الاجتماعي. هذه العوامل تعكس دوافع تجنيد الأطفال في معظم النزاعات المسلحة حول العالم. وجدت أبحاث أجريت على بلدان متعددة إن الإيديولوجيا نادرا ما تكون المحفز الرئيسي لانتساب الأطفال إلى الجماعات المتطرفة العنيفة. إذ لايمثل الأطفال قيمة دعائية لداعش فقط، بل انهم اشخاص متشددون ايضا، يمتلكون القدرة على القتل، ويقسم أطفال داعش الى خمس فئات: أولئك الذين ولدوا لمقاتلين أجانب أو مهاجرين. وأولئك الذين ولدوا لمقاتلين محليين. وأولئك الذين تم التخلي عنهم ووجدوا طريقهم إلى دور الأيتام التي يسيطر عليها التنظيم. واولئك الذين اخذوا قسرا من ابائهم وأولئك الذين انضموا طواعية للجماعة.
وفي هذا الإطار، جاءت دراسة «من الأشبال إلى الأسود: نموذج المراحل الست لدمج الأطفال داخل الدولة الإسلامية»، التي أعدها كل من «جون جي هورجان» و«ماكس تايلور» و«ميا بلوم» و«تشارلي وينتر»، وقد تم نشر هذه الدراسة في دورية «دراسات الصراع والإرهاب» في عام 2017. وترى الدراسة أن السبب الرئيسي لانضمام صغار السن إلى هذه الجماعات أنهم ببساطة أطفال لا يدركون خطورة ما يُلقون بأنفسهم فيه.
ثمة اعتراف دولي بعدم وجود برامج مخصصة لإعادة إداج هؤلاء الاطفال، بل تؤكد منظمات حقوقية على الوضع الكارثي للتعامل معهم، إذ تشير تقديرات هيومن رايتس ووتش إلى أنه في نهاية 2018، كانت السلطات العراقية وحكومة إقليم كردستان تحتجز حوالي 1,500 طفل بسبب الانتماء المزعوم إلى داعش. كما أدين مئات الأطفال، 185 على الأقل منهم أجانب، بتهم إرهابية، وحُكم عليهم بالسجن في العراق.
حسب داكوتا فوستر، ودانييل ميلتون في دراسة بعنوان «الأطفال في الحرب: الأطفال الأجانب المجندين في الدولة الإسلامية» فإن تجنيد الدولة الإسلامية للأطفال يشكل تحديا لا توجد فيه حلول سهلة. تُظهر سجلات المقاتلين الأجانب في تنظيم الدولة الإسلامية أن المقاتلين الأطفال الأجانب يميلون إلى أن يكونوا، كما هو متوقع، أقل تعليماً، وأقل عرضة لفرص عمل جيدة، وأرجح أن يكونوا طلاباً، وأقل عرضة للزواج من المقاتلين الأجانب البالغين. ومن المثير للاهتمام، أنهم كانوا أقل عرضة للتعبير عن تفضيلهم في أن يكونوا مفجرين انتحاريين أو مقاتلين، ووصلوا في وقت لاحق، وكان لديهم قدر مماثل من الخبرة الجهادية المعلنة ذاتيا، وجاءوا من بلدان بنسب مختلفة عن نظرائهم الأكبر سنا. ستظل الأبحاث المستمرة حول هذا الموضوع الهام، وكذلك تركيز صانعي السياسات على تحديات الأطفال العائدين، جزءًا مهمًا من جهود مكافحة الإرهاب في المستقبل.