للمرّة الثانية، يلفت نظري زيُّ وزير الدّفاع الكنديّ لدى لقائه جلالة الملك، فللوهلة الأولى يظنُّ الرّائي أنه وزيرٌ للهند.
وربطاً لهذا مع ما نطالعه بين الفينة والأُخرى من تراشقٍ وتقاذفٍ لمعايير الوطنية عبر منصات التواصل الموغلة في الإقصاء، نتساءل (من هو الأردني)؟
ولن أجيب بحدود الدستور والقانون فالمعايير التشريعيّة لا تخفى على أحد، بل سأترك الواقع
والعيش المشترك والمصير الأوحد يجيبون.
فأزكى مَن يُجيب (دماء الشُّهداء) من الكرامة الخالدة وحتى آخر قطرةٍ خضَّبَت أرض البلقاء، ومن شرقيّ النهر وغربة، من شتّى بقاع العرب والعجم مسلمين ومسيحيّين دروز أو أرمن أو أكراد وقوقاز، لم تبخل فئةٌ بدمائها على الأردنّ، وفي تفاصيل هذه الفسيفساء الشامخة يُعرَفُ الأردنيُّ ويُعَرَّف.
إنّ القاعدة السُّلطويّة الأولى هي «فرّق تسُد» بينما في الأردنّ فالمعادلة مُختلفة تماماً، إذ خرج النظام الهاشميّ عن هذه النّظريّة المجزوءة المُجزِّئة بقاعدة معاكسة تجميعيّةٍ لا تعرف التفريق ولا تعترفُ به،
وقد سبق أن نشرت عبر هذا المنبر مقالاً باسم «زمرة النظام» التي وأدها النظام الهاشميّ بخلاف الكثير من المدارس السياسيّة.
وعلى هَديِ ما سلف، نَعِمنا بإِرثٍ تسامُحيٍّ عظيم، أسّسهُ الهاشميّون و أرسوا قواعده جنباً إلى جنب مع آبائنا
والأجداد فكان الأردنّ، ولا أظنُّ عاقلاً يرغبُ بخسارة هذه الميزة المحمودة المحسودة في عالمٍ غلَبَهُ الصِّراع، ولا نريدُ لأبنائنا أن يعيشوا على أنقاضه لا قدّر الله كما عانت غيرنا من الأمم. من نافلة القول التذكير بهدم عوامل الفرقة لأي مجتمع، ومن نافلته أيضاً أن نسأل ما الغاية من التشكيك وأين تكون نقطة الوصول بعده.
لكنّ الأهمّ، تبيان أن الحالة الأردنية مثاليّةٌ و تستحقُّ التعزيز، وأنها - للأسف - تبدو أحياناً عكس حقيقتها! فأتفه الأسباب كافيةٌ لأن تُعيد حالة الشدّ والجذب المكرّسة للهويّات الفرعيّة على حساب الجمعيّة، و قد تسود معظم الوقت - من لا شيء - بما يشبه «الزّبد» بينما تذوب كلُّ الفوارق إذا ما جدّ الجدُّ ولدى الأحداث الوطنيّة الحساسة لتُظهر التلاحُم والتّماسُك.
لذا، نحن بخير، وما يجمعنا أكثر بكثيرٍ ممّا يفرقنا أو بعبارة أدق (يميّزنا عن بعضنا)، والأردنيّ هو كلّ من ضحّى و/أو يستعدُّ للتضحية من أجل هذا الوطن، والأردنيّ هو كلُّ من يعشق هذا الثّرى فيسعد بتقدُّمه ويألَمُ بألمه.