كتاب

العراق وإيران إلى أين؟

يبدو بأنه قد كتب على العراق ان يبقى يدور في صراع دائم مع جيرانه، فلا تكاد مشكلة له مع احد الجيران ان تنتهي إلا وتطل غيرها برأسها من جهة أخرى.

فكلنا يعرف بأن قضية الحدود حسب اتفاقية الجزائر عام 1975 كانت أحد أسباب الحرب العراقية الإيرانية المباشرة التي اندلعت عام 1980 واستمرت ثماني سنوات أكلت الأخضر واليابس في كلا البلدين.

فقبل ايام زار رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي طهران باحثا عن إعادة إحياء اتفاق ترسيم الحدود مع إيران والانتهاء منه واسدال الستار عليه بطريقة تضمن حقوق الدولتين وتمنع حدوث أي مضاعفات قادمة، فماذا سيفيد هذا الاتفاق العراق وما هي اضراره عليه؟

ان اتفاقية ترسيم الحدود بين العراق وإيران تعود إلى 44 عاما، فقرار تغيير الحدود البحرية والبرية بين العراق وإيران جاء استنادا إلى البنود الأصلية الواردة في اتفاقية الجزائر الموقعة عام 1975، والتي تعني التخلي عن أرض ومياه بحرية سيطر عليها العراق لعقود، أهمها مجرى شط العرب، الذي ظل لفترة طويلة خطا فاصلا بين العالم العربي وبين إيران.

فالخلافات بشأن منطقة شط العرب باتت مثار خلاف كبير بعد اكتشاف النفط في العراق في عشرينيات القرن الماضي، فكانت بغداد ترغب في الحفاظ على حريتها الملاحية في النهر من أجل تعزيز قطاعها النفطي. وفي عام 1975، وقع البلدان اتفاقية الجزائر لترسيم حدودهما المائية والبرية محل الخلاف بينهما، فعرضت إيران سحب المساعدة العسكرية التي تقدمها لأكراد العراق، الذين كانوا منخرطين حينها في خلاف عنيف مع الحكومة الاتحادية في بغداد وفي المقابل تحصل إيران على نصف مجرى شط العرب، ما يسمح لها بالوصول إلى موانئ رئيسية في ظل تطوير إيران لقطاع صادراتها النفطية، وبقيت هذه الاتفاقية مرضية للطرفين حتى جاءت الثورة الاسلامية عام 1979 الأمر الذي رفضته حكومة الثورة واصبح مجرى شط العرب هو مسرح الحرب العنيفة بين بغداد وطهران طوال الثمانينيات، في ظل سعي إيران للسيطرة الكاملة على المجرى.

فما أهمية شط العرب لكلا الدولتين؟.

لقد كان شط العرب يعود بالخيرات الاقتصادية على إيران والعراق معا حسب اتفاق الجزائر الذي يقضي بتقاسم المجرى المائي بالتساوي، ولكن اليوم يبدو أن شط العرب ينضوي على أهمية استراتيجية أكبر للعراق منه لإيران، ففي حين يوجد ميناءان نفطيان على طول المجرى المائي، تقع أهم منشآت النفط الإيرانية على طول الخليج. لكن بالنسبة للعراق، يظل شط العرب واحدا من ممراته المائية القليلة إلى الخليج، ويوفر له المياه العذبة للمزارع والمصانع أعلى وأسفل النهر، وهذا الامر سيجعل من الصعوبة ان يتخلى العراق عنه طوعيا، وسيعمل جاهدا بعد التغيرات الاستراتيجية الأخيرة بالمنطقة ان يعيد طوعا التأكيد على اتفاقية الجزائر التي تضمن له استخدام مجرى شط العرب بصورة تعود عليه بالمنافع الاقتصادية.

فالقضية التي تربح الطرفين تتلخص في تقاسم مجرى شط العرب مع إيران، لأن ذلك التقاسم لن يؤدي إلى فرض قيود على اي من أنشطة العراق في قطاعها الأكثر أهمية وخاصة قطاع إنتاج النفط، وذلك بالنظر إلى أن الغالبية العظمى من النفط العراقي تشحن عبر خطوط الأنابيب إلى منشآت واقعة قبالة ميناء الفاو في الخليج.

ولن يضر كذلك بقدرة العراق على استيراد الشحنات الأخرى، لأن معظم المواد الغذائية والبضائع الأخرى تأتي للعراق عبر ميناء مدينة أم قصر الساحلية الواقعة على حدود البلاد مع الكويت. بقي القول ان العراق سيكون المستفيد الاكبر في الحقيقة من تقاسم جزء شط العرب الذي سيجلب له صفقات تجارية أكثر فائدة من خلال إسهام ذلك في ترسيخ النوايا الحسنة مع إيران.

الوفاق مع إيران ضرورة ملحة للعراق لكي لا تخسر البصرة التي يطالب أهلها بالانفصال والاعتراف بها كاقليم، الأمر الذي سيفقد بغداد القبضة عليها خاصة وإن العراق يعتمد اعتمادا كبيرا على حقول نفط البصرة.

فهل سيلجأ العراق إلى استخدام العقل لحل مشكلته مع إيران حلا دائما تحت إشراف دولي؟، ام ان الوضع في شط العرب سيبقى مرشحا لحروب قادمة؟