لمناسبة انعقاد قمة العرب الثلاثين، التي ستنعقد في تونس اليوم الأحد، فإن البعض من أجل التقليل من أهميتها وضرورتها ذهب إلى المقارنة بين الاتحاد الأوروبي وبين الجامعة العربية وعلى اعتبار أن دول هذه الجامعة هي رؤوس مؤتلفة وقلوب مختلفة ولعل ما لم يدركه هؤلاء أن هذا الوصف ينطبق على الأوروبيين أيضاً، وبخاصة الدول الأساسية، التي هي فرنسا وألمانيا وأيضاً بريطانيا، قبل أن يكون هناك الـ «بريكست»، أكثر مما ينطبق علينا فالمعروف أن السوق الأوروبية قد أنشئت في حزيران كوحدة اقتصادية بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا (الغربية) وبلجيكا وهولندا ولوكسمبرغ والمعروف أن هذه الدول، التي انضمت إليها المملكة المتحدة البريطانية لاحقاً، كلها ذات اقتصاد متين مع بعض التفاوت وكلها كانت قد اكتوت بنيران حربين عالميتين لكنها جميعها كانت ولا تزال مستقلة وهناك بين بعضها بعضاً بعض المشاكل الحدودية.
عندما تأسست الجامعة العربية في آذار عام 1945كان العديد من دولها التي انضمت إليها لاحقاً، لا تزال مستعمرة وكان منطلقها أساساً سياسياًّ وثقافياً وليس اقتصادياً وكانت بعد تأسيسها بثلاثة أعوام قد أُقحمت في حرب عام 1948 مع إسرائيل التي كانت قد أنشئت بمؤامرة دولية وبهدف التآمر على العرب وإستنزافهم وهم لم يمض حتى على إنشاء أهم دولهم إلاّ نحو أكثر من العشرين عاماً بقليل.
إنه لا شك في أنه بقيت تعصف بدول الجامعة العربية بين بعضها بعضاً خلافات تلاحقت خلال كل هذه السنوات الطويلة وصل بعضها إلى حد المواجهة العسكرية لكن ما يمكن إعتباره إنجازات حقيقية هو أنها، أي هذه الجامعة، غدت حاضنة ثقافية وأنها قد لعبت ولا تزال تلعب أدواراً دولية لا يمكن إنكارها دفاعاً عن قضايا العرب كلها وأولها قضية فلسطين وقبل ذلك قضية الجزائر وكل قضايا «دولنا» التي تأخر إستقلالها والتي كانت جميعها ولا تزال تعتبر قضايا قومية.
ثم وأنه شيء طبيعي أن تبقى الجامعة العربية تمر بمشاكل وإشكالات جانبية وثانوية متعددة وكثيرة بعضها لا يزال متواصلاً حتى الآن عندما يكون عدد دولها إثنتين وعشرين دولة بعضها له مشاكل حدودية مع الدول المجاورة ومع الأخذ بعين الإعتبار أن معظم دول الإتحاد الأوروبي كانت مستقلة بصورة عامة وبعضها كانت دولاً إستعمارية لها مستعمرات في معظم قارات الكرة الأرضية وذلك في حين أن عدداً من دولنا كانت حتى بدايات عشرينات القرن الماضي جزءاً من الإمبراطورية العثمانية في حين أن الدول المتبقية كانت مستعمرات بريطانية وفرنسية وأسبانية وإيطالية.
والمشكلة أن داء التمزق والتشظي لا يزال يلاحقنا حتى الآن وإلا ما معنى كل هذا الذي يحصل في سوريا وليبيا واليمن والعراق وفي دول عربية أخرى وفوق هذا كله هناك احتلال فلسطين كلها وهناك كل هذه العربدة الأميركية.. ثم وأن المعروف هو أن هناك كل هذا الفرق الهائل بين أوضاعنا والأوضاع الأوروبية ورغم أنها هي بدورها تعاني من إشكالات كثيرة قد تنتهي إلى تدمير «اتحادها» الأوروبي وهكذا ومع ذلك فإنه يجب التمسك بالجامعة العربية والحفاظ على قممها السنوية التي ستكون قمة تونس اليوم القمة الثلاثين التي نتمنى لها التوفيق والنجاح.