عندما «أخمد» الاتحاد السوفياتي في عام 1968 ما سمي:«ربيع براغ»، الذي كان قاده الإصلاحي الأسكندر دوبتشيك، باجتياح عسكري من قبل قوات ما يسمى حلف وارسو لم يكن يتوقع «أباطرة» الحزب الشيوعي أن إمبراطوريتهم التي كان اسمها: «اتحاد الجمهوريات السوفياتية الإشتراكية» سوف تنهار بعد أكثر من عشرين عاماً بقليل، أي في السادس والعشرين من كانون الأول عام 1991، وأن الذي سيهيل التراب عليها بدون «تكفين» هو ميخائيل غورباتشوف وحيث تم إنزال العلم الأحمر من فوق مبنى الكرملين وللأبد ورفع مكانه علم روسيا الحالي الثلاثي الألوان.
وبالطبع فإن المجر قد لعبت دوراً رئيسياً في إنهيار هذه المجموعة، التي كان «الرفاق» يعتقدون أنها سترث الأرض وما عليها، أولاً وفي البدايات في عام 1956 ثم ونهائياً في بدايات تسعينات القرن الماضي وحيث توالى السقوط بعد ذلك وانتهت حقبة تاريخية لا يزال البعض يذرف الدموع السخية عليها والبعض لا يزالون يفركون أكفهم بعضها ببعض فرحاً برحيلها وبغروب شمسها وإلى أبد الآبدين.
كنت قد زرت براغ بعد ربيعها بأسابيع قليلة في مهمة طلابية وكنت يومها مثلي مثل كثيرين غيري أعتبر ألكسندر دوبتشيك رجعياً ومرتداًّ ومتآمراً وعميلاً للغرب الرأسمالي وللولايات المتحدة، دولة الإستكبار العالمي، ولعل ما جعلني أشعر في ذلك الحين أن تلك التجربة التاريخية ذاهبة إلى الزوال أنني شاهدت فتاة «تشيكية» صغيرة بعمر نحو عشرة أعوام تتقدم من جندي «سوفياتي» يحرس سفارة بلاده ثم تبصق في وجهه فما كان منه إلاّ أن مسح ما أصابه بظهر يده بدون أن ينبس ولو بكلمة واحدة.
يومها شعرت أنَّ هناك كرهاً حقيقياً في هذا البلد وفي بلدان المنظومة الإشتراكية في أوروبا الشرقية للإتحاد السوفياتي وللشيوعية العالمية وهذا ما هو حصل لاحقاً وكنت كصحافي مكلف بالمتابعة في بودابست عندما كانت المجر في ذروة ثورتها الثانية التي كانت بداية زوال حقبة إستمرت منذ ما بعد نهايات النصف الأول من القرن الماضي وحتى بدايات تسعيناته.
والمهم فإنني لا أعرف لماذا أطلق الإعلام الغربي على ما جرى في المنطقة العربية بدءاً بتونس في عام 2010 حيث أحرق ذلك الشاب محمد البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد هروباً من البطالة والعوز وضنك الحياة ثم بدأت حلقات هذا «الربيع» تتلاحق إلى أن جاء الدور كما هو واضح على الجزائر التي لها في قلب كل عربي مكانة خاصة والتي يرفض شعبها بأن يوصف هذا الذي يجري فيها بأنه ربيع لا عربي ولا جزائري.
وحقيقة أن تلك الأجواء العاصفة التي غشت بعد ذلك لبييا ووصلت إلى سوريا ومصر أيضاً ودول عربية أخرى لم تكن ربيعاً وأن القادم كما هو واضح سيكون أعظم وإن كل هذا «التفكك» الذي تشهده المنطقة العربية سيسفر عن خرائط جديدة.. غير معروف حتى الآن كيف ستكون وما هي عناوينها وأشكالها!!.