تعتبر الحروب النفسية من أبشع الحروب التي تواجهها الدول والشعوب، وتكمن خطورتها في قدرتها الفائقة على إرهاق المجتمع من الداخل وتفتيته وتفكيكه وخلق جو من عدم الثقة بين مكونات المجتمع ومؤسساته، فيصبح من السهل اقتحام تلك الدول دون مقاومة أو استخدام أسلحة، فأنت تستطيع أن تدرك خطر القنابل والمدافع وتحمي نفسك منها، ولكن الحرب النفسية تتسلل الى داخلك دون أن تدري.
فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الفضائيات أصبح من الضروري علينا توخي الحيطة والحذر في الانتباه جيدا لما يحاك لنا بالخفاء، فالحرب النفسية تشمل الاستخدام المدبر لفعاليات معينة معدة للتأثير على آراء الناس بهدف تغيير تفكيرهم بأساليب الدعاية والمقاطعة الاقتصادية والمناورة السياسية وتلجأ اليها الدول الطامعة ببعض اقتصاديات الدول الأخرى لأنها أقل كلفة إذا ما أحسن استخدامها ولا يقتصر استخدامها وقت الحروب بل هي في عملية مستمرة متطورة تبعا لتطور أدوات التأثير.
فأساليب الحرب النفسية والدعايات الكاذبة ليست جديدة فقد استخدمها اليهود لإكراه العرب على ترك بلادهم، حيث كانت توجهها لتقويض ثقة السكان بأنفسهم وقياداتهم بغرض تحطم المعنويات وإذكاء نار الفتنة، مثل الحديث عن حجم وعدد الخسائر في الأرواح بين العرب والخلافات السياسية بينهم وضعفهم وقلة كفاءتهم، فلجأوا أيضاً إلى استعمال مكبرات الصوت وراحوا يبثون تسجيلاً لأصوات صرخات أنين ونحيب النسوة العربيات ورنين أجراس عربات الإطفاء يقطعها صوت جنائزي مناشداً باللغة العربية:"أنقذوا أرواحكم أيها المؤمنون، أهربوا لتنجوا وإذاعة تسجيلات لانفجارات شديدة عبر مكبرات الصوت، كما عمدت القوات الصهيونية إلى تفجير تجمعات الأسواق التجارية والأزقة، ولجأوا إلى إذاعة إنذارات للعرب الفلسطينيين بضرورة الرحيل ومغادرة قراهم ومدنهم في فترات محدودة وإلا تعرضوا للقتل وقد جاء في أحد النداءات في مدينة القدس، إذا لم تتركوا بيوتكم، فإن مصيركم سيكون مثل دير ياسين انج بنفسك.
فوزعت ملصقات على الجدران حملت معظمها، عبارة ارحل من أجل سلامتك.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نواجه الحرب النفسية؟
إن مواجهة الحرب النفسية يتطلب مكافحة نشاطات الجماعات المعادية في الداخل والتي تسمى بالطابور الخامس والتي تلبس عباءة الوطنية في كثير من دعاياتها لاستقطاب الناس والتأثير عليهم، لان وظيفة الطابور الخامس تكمن في استغلال المواقف وبالتحديد عندما تنشغل بعض الدول في مواجهة خطورة الأعداء خارج الحدود فتنشط هذه التيارات لإضعاف المجتمعات في الداخل وتشتيت شملها بالإشاعات لإثارة الفزع بين صفوف الناس وإثارة النعرات الطائفية والقومية والعرقية بينهم للقيام بأعمال شغب وتخريب لخلق جو من الفوضى، يسهل عملية تنفيذ مخططات الأعداء.
ولخطورة الطابور الخامس ينبغي مواجهته بشدة وصرامة بتوحيد الصفوف ورصها وعدم الإصغاء لإعلام الأعداء، وبناء إعلام وطني قادر على إحباط مخططات الأعداء بإيجاد البرامج الهادفة لتوضيح الخطر الدقيق للدعاية والإشاعة وتوفير المعلومة الصادقة للشعب وبناء جوء وطني الطابع من الثقة، يتمكن المواطن خلالها من الحصول على ما يجري بمصداقية عالية حتى لا يلجأ للبحث عن وسائل إعلام أخرى تمتهن الكذب ونشر الاشاعات والمعلومات المغلوطة.