نيوزيلاندا.. والأردن ومحاربة الفكر المتطرف
11:00 17-3-2019
آخر تعديل :
الأحد
نيوزيلاندا تلك الدولة الأكثر سلماً وآماناً في العالم ضربها جنون التطرف في عملية غير مسبوقة حين قام أحد المتطرفين بالهجوم على مسجدين وقام بقتل عشرات الأبرياء من المسلمين، الذين نحسبهم شهداء عند الله، وذنبهم أنهم كانوا يرفعون صلواتهم لربهم في السماء، فيما كان جنون التطرف يضرب الأرض.
ما حدث في نيوزيلاندا الجمعة الماضية يحتم علينا التعامل مع التطرف كمنظومة فكرية متكاملة، وليس حصر التطرف في مجال واحد هو التطرف الديني، وإن كان يستخدم كغطاء مقبول لدى فئات عدة لمجموعة من عناصر التطرف الأخرى كالتطرف الاجتماعي والإثني والطائفي والمذهبي، وغيرها من أشكال التطرف.
الخطورة الحقيقية هي أن التطرف صار يجد الأرضية الثقافية التي يرتكز عليها، وتغذيه وتمده بكل المبررات التي يحتاجها لتبرير وجوده، فظهرت حاضنة شعبية لظاهرة التطرف تأخذ دورها المهم في تغذية ثقافة التطرف من خلال تعزيز مفهوم الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، بالإضافة إلى إيجاد بيئة متسامحة مع التطرف.
تنامي ظاهرة التطرف عبر دخولها إلى مضمار تحديث شكلها وبعض مؤسساتها وأدواتها، مع عدم دخول المجتمع إلى الحداثة بمفهومها الحقيقي الذي يطور ويغير في بنية المجتمع وفي علاقته مع الدولة ومؤسساتها ومع مكونات المجتمع ذاته وفي أدواته التفكيرية التي تعبر عن هذه العلاقات الجديدة.
اليوم علينا التركيز داخلياً كي لا يقع الأردن فريسة للتطرف، فالمجتمع الأردني لم يمر بأية تحولات جذرية تطال بنيته ولم يختبر أية تغييرات عميقة من داخله تساعده على تقبل المؤسسات الجديدة من منظومات قانونية أو ديمقراطية أو ما يؤهله لاحترام التعددية والاختلاف واحترام التفكير الجديد الإبداعي، بل تم الاكتفاء بالتغييرات السطحية، والمظهرية الشكلية، كل ذلك لم يقد المجتمع إلى دخول مراحل التطور بل أدى إلى خلق بؤر جديدة للاصطدام داخل المجتمع نفسه.
التطرف كمرض معرفي يعني بالضرورة أن نقصان المناعة المعرفية لدى الفرد أو الجماعة هو ما يشكل العامل الأساسي للإصابة بالتطرف، وعليه فإن دور الدولة هنا يظهر بوضوح وجلاء أنه يتركز على ضرورة استعادة الفئات المستهدفة عافيتها المعرفية وتدعيم جهاز المناعة المعرفي لديها.
قد يرى البعض أن أبرز أسباب التطرف هي الأسباب الاقتصادية، أو أسباب سياسية، إلا أنني أرى أن الأسباب الرئيسة تعود إلى أسباب معرفية وأسباب اجتماعية، فضعف المنظومة المعرفية لدى العامة والنخبة المستحدثة أدى إلى ضعف الجهاز المناعي المعرفي، مما أدى إلى التطرف، وكذلك سرعة التبدل الاجتماعي سواء أكان على مستوى تكوين الوحدات الاجتماعية وأدوارها داخل المجتمع كمؤسسات مرجعية.
كما أن انهيار منظومة الثقة بين اﻟﻤﺠتمع والحكومة ومن ثم المجتمع والدولة تعد سبباً إضافياً لتنامي ظاهرة التطرف، فعدم حدوث الإصلاح الاجتماعي أدى إلى ظهور مظلات تمثل هويات فرعية وإعلاء مصلحة هذه الهويات على الهوية الجامعة.
الحديث حول الحرب الفكرية لمواجهة التطرف تطول، ولكن علينا أن ننظر بعيون مفتوحة لتجربة صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية في مشروعه لمحاربة الفكر المتطرف، حيث يقوم سنوياً بتأهيل وتدريب 120 شاباً وشابة، من خلال إكسابهم مهارات الاتصال والقيادة وبناء الفريق، ومهارات متطورة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، كي يكونوا قادرين في التأثير على مجتمعاتهم ويكونوا كشباب هم قوة التغيير.
التجربة تستحق البحث والتقييم، فكيفية بناء البرامج التدريبية المتعددة والترابط بين المهاري والمعرفي، وتنية فكرة الانتماء عبر خلق هوية أردنية جامعة وفهم متكامل لتاريخ الدولة الأردنية وتنوع المشارب للشباب والشابات المشتركين بالبرنامج، كلها شكلت عوامل نجاح، رغم ما تطرحه من تحديات.