هكذا هي حياة الإنسان في تقلب دائم وتغير مستمر ولا تمضي على وتيرة واحدة فهي مليئة بالخبرات والتجارب المتنوعة التي تبعث فيها مختلف الانفعالات والحالات الوجدانية، الأمر الذي يضفي عليها معنى وقيمة وبدونها تصبح مملة لامتعة فيها.
وتعتبر الانفعالات ركناً مهما في حياة الإنسان وتدخل في جميع جوانب حياته اليومية كما تعد جزءًا من عملية النمو الشاملة والمتكاملة لأنها تشكل جانبًا من جوانب الشخصية السوية وتعمل على توجيهها نحو المسار النمائي الصحيح بكل ما تحمله من عواطف وسلوك وانفعالات مختلفة.
ومن هنا كان موضوع الانفعالات في علم النفس من الموضوعات الأساسية التي ترتبط بالدوافع والصحة النفسية والمزاج والتناغم والانسجام والعمليات المعرفية العقلية من تذكر وتفكير وتصور وتخيل وذكاء فضلا عن العلاقة الوطيدة بين الانفعالات وصحة البدن من ناحية والانفعالات والأمراض السيكوسوماتية «النفس جسمية» من ناحية أخرى.
الانفعال شعور مضطرب وخلل عام يصيب الفرد نفسيا وجسديا ويؤثر إلى حد كبير في تصرفاته وأفعاله وخبراته الحسية والشعورية وأعضاء جسمه الداخلية «الفسيولوجية»، وتحدث الانفعالات نتيجة لأسباب نفسية واجتماعية وبيئية ولكن لماذا ينفعل الإنسان؟...
في الواقع أن أسباب الانفعالات متعددة يمكن حصرها في ثلاثة: عند إعاقة دافع أساسي؛ كالطالب الذكي المجتهد الذي لا يستطيع دخول الاختبار رغم أنه مؤهل للنجاح، أوعند استثارة دافع؛ كأن نعلم فجأة بوفاة إنسان عزيز علينا رغم أنه كان في صحة جيدة، وكذلك عند إشباع دافع بشكل غير متوقع أو أن تتحقق آمالنا بغتة؛ كحال المريض الذي لا يرجو الشفاء فإذا بعلته تزول فجأة.
ويتضح مصطلح الاتزان الانفعالي ضمن مفهومين من مفاهيم علم النفس وهما: الاتزان والانفعال، فمفهوم الاتزان (Stability) يعني أن الفرد لديه قدر من الطاقة الثابتة بمقدار يميل إلى التوزيع بالتساوي داخله،وهذا القدر يمثل الحالة المتوسطة للتوتر داخل الكائن الحي وهي عملية الاتزان، أما الانفعالات (Emotion) فهي أحدى المنظومات المكونة لبناء شخصية الفرد في مظهره الخارجي وتعبر عن حدود النشاط المنظم السوي.
ويعرف الاتزان الانفعالي بأنه: «مقدرة الفرد في السيطرة على انفعالاته والتحكم بها، وعدم إفراطه في التهيج الانفعالي، أو عدم الانسياق وراء تأثير الأحداث الخارجية العابرة والطارئة وصولاً إلى التكيف الذاتي والاجتماعي دون أن يكلف ذلك مجهوداً نفسياً كبيرا ».
يعد الاتزان الانفعالي واحدا من العوامل التي تحدد أنماط الشخصية الإنسانية؛ فالفرد المتزن انفعاليًا لديه القدرة على تحمل تأجيل إشباع الحاجات، ولديه القدرة على تحمل قدر معقول من الإحباط، ويؤمن بالتخطيط بعيد المدى، ويعمل على مراجعة التوقعات في ضوء الظروف والمستجدات.
كما يشير الاتزان الانفعالي إلى الفرد الهادئ الذي يتسم بالثبات وتظهر عليه علامات قليلة من التهيج الانفعالي إزاء أي نوع من المعارضة والغضب، ويكون واقعياً في الحياة منضبطاً ذاتياً ومثابرا، أما الأشخاص الذين لديهم اتزان انفعالي منخفض فهم قليلو الأصدقاء ويختارون الذين هم على شاكلتهم، حيث يكونون غيورين وحساسين وحسودين وعبوسين.
إن الاتزان الانفعالي أحدى سمات الشخصية المتوافقة التي تتصف بالشجاعة في مواجهة التحديات، والحسم في اتخاذ القرارات المهمة، والقدرة على السيطرة والضبط في التعبير عن الانفعالات، ووجودها مع الآخرين قائم على الحب والتفاعل الذي لا يلغي الخصوصية والتفرد وإنما يعمل على تحقيق الذات.
ويتأثر الاتزان الانفعالي بالعديد من العوامل التي قد تتباين فقد ترتبط بعض هذه العوامل بشخصية الفرد الذاتية، وبعضها الآخر بالبيئة المحيطة وما يتعرض له من مواقف خلال الحياة اليومية، وهناك تأثير للاضطرابات الفسيولوجية الداخلية، وقد تسهم العوامل النفسية التي يكون مصدرها خللاً أو اضطرابا في العمليات المعرفية كعدم وضوح الدوافع أو الانفعالات، وهذه العوامل تنشأ نتيجة التفاعل غير الطبيعي بين ذات الفرد من جهة والمحيط المادي أو الاجتماعي من جهة أخرى، وهذا التفاعل يؤثر في قدرته على تحقيق الاتزان الانفعالي، كما تتأثر الجوانب النفسية للفرد بالضغوط التي يتعرض لها وما يصاحبها من تغيرات نفسية وفسيولوجية.
وهناك تأثير للعوامل البيولوجية التي تشمل العوامل الوراثية أو الجينات والعوامل العصبية وهرمونات جهاز الإفراز الداخلي التي قد تتباين من فرد إلى آخر، كما أن المكونات البيئية تؤدي دورًا في التأثير على الاتزان الانفعالي لدى الفرد، وبالتالي فإن العوامل المؤثرة فيه هي نتائج تفاعل العديد من المؤثرات المتنوعة والمختلفة في نوعها وشدتها، وبالتالي فإن شدة الانفعالات الناتجة لدى الفرد تتفاوت حسب طبيعة التفاعل بين هذه العوامل سواءً كانت بيولوجية، أو نفسية، أو بيئية.
هناك بعض القواعد أو المبادئ المقترحة التي يمكن من خلالها التحكم والسيطرة على الانفعالات ومنها: التعبير عن الطاقة الانفعالية في الأعمال المفيدة؛ حيث يولد الانفعال طاقة زائدة في الجسم تساعد الفرد على القيام ببعض الأعمال العنيفة.
ومن الممكن أن يتدرب الفرد على القيام ببعض الأعمال الأخرى المفيدة لكي يتخلص من هذه الطاقة، وكذلك تقديم المعلومات والمعارف عن المنبهات المثيرة للانفعال حيث يساعد ذلك على إنقاص شدة الانفعال وبالتالي التغلب على الاضطراب الذي يحدث للأنشطة المتصلة به فالطفل الذي يخاف من القطط مثلا يمكن مساعدته على التخلص من ذلك عن طريق تزويده ببعض المعلومات التي تقلل من هذه الحالة لديه، ثم البحث عن استجابات تتعارض مع الانفعال؛ فإذا شعر الفرد نحو شخص ما بشيء من الكراهية لأسباب معينة عليه أن يبحث عن أسباب أخرى إيجابية يمكن أن تثير إعجابه بهذا الشخص وتغير اتجاهه نحوه،.
وكذلك عدم تركيز الانتباه على الأشياء والمواقف المثيرة للانفعالات فإذا لم يستطع الفرد التحكم في انفعالاته عن طريق البحث عن الجوانب الإيجابية والسارة في الشيء مصدر الانفعال فيمكنه أن يغير اهتمامه عن هذا الشيء إلى الأشياء والموضوعات التي تساعده على الهدوء والتخلص من انفعالاته وتوتراته، كما أن الاسترخاء العام مفيد لتهدئة الانفعال وتناقصه بشكل تدريجي.
إن فترة الانفعال تمثل حالة من عدم الاتزان التي يفشل الفرد فيها رؤية الأمور بشكلها الصحيح وبالتالي تكون أحكامه غير صحيحة لذلك يجب عدم الحسم وإصدار الأحكام في الموضوعات والأمور المهمة أثناء الانفعال.
وعلى الانسان أن يثقف نفسه عن الحياة النفسية الانفعالية وبذلك يعرف مواطن قوته وضعفه وأن يتعلم كيف يسيطر على تعبيراته الانفعالية الظاهرية التي تخضع للضبط الإرادي فقد كان الخلق بالتخلق، والطبع بالتطبع، والعلم بالتعلم، والحلم بالتحّلم، والصبر بالتصبر، والابتعاد قدر الإمكان عن المواقف المثيرة للانفعالات الحادة والسيئة وتجنب الأشخاص الذين يسببون التوترات الانفعالية السيئة لأن وجود الإنسان في مواقف الإثارة والاستشارة يتطلب مزيدا من القوة الكابحة لنجاح الضبط الانفعالي الإرادي وهذا ما ان يكون ميسورا لكل إنسان، فالوقاية هنا تتمثل بالابتعاد عن المواقف الحرجة الدافعة لانفعالات غير مرغوبة خير من الوقوع بتلك المواقف المثيرة ثم محاولة الخروج منها بسلام.
لقد دعا الإسلام إلى ضبط الانفعالات مثل كظم الغيظ والحب والرحمة والشفقة والتوكل والود والبعد عن الانفعالات السلبية المنفرة كالغضب والانتقام والكراهية والحقد، كما ذكر القرآن الطمأنينة على أنها الاتزان الانفعالي وأعلى درجات السعادة والاطمئنان والاستقرار في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ » أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».