بادئ ذي بدء، لا بدّ من الإقرار بأنّ دولتنا لا تعيش (حالة إنكار) بالنسبة لـ «صفقة القرن» وما يشاع حولها بل على العكس فإنّ التّأكيد المستمرّ على تحصين الجبهة الداخليّة قولاً وفعلاً هو سبيل مجابهتها وتلافي المؤذي من آثارها، ولا شكّ أنّ الموقف الأردنيّ المناهض لأنصاف الحلول ومنقوص الحقوق يؤثّر في شكل الصفقة النّهائي وطبيعتها لكنّه وبعيداً عن الأوزان النّسبيّة يبقى واحداً من عدّة عوامل مؤثّرة في ظلّ تغيُّر خارطة التحالفات المحيطة أو بعبارة أدقّ فقدان بعضها للكوابح المقاومة للإندفاع غير المحسوب أحياناً.
غادر جلالة الملك إلى واشنطن ليحافظ على الرّوابط مع القنوات القديمة والجديدة الشريكة في القرار المركزيّ الأميركيّ، فكما يعنينا رأس الهرم تعنينا كذلك باقي المعطيات الداخلة في أركان القرار النّهائيّ هناك.
و منذ عقود، كان حِملُ السياسة الخارجية مُلقياً على كاهل جلالة الملك دونما حاجة لأكثر من الاستقرار الداخليّ شريكاً ورديفاً، أمّا اليوم، ومع تسارع وتيرة الأحداث على صعيد ملفّ فلسطين وقدسنا واتّجاهه نحو الحسم بات الالتفاف الشّعبي -الموجود حتماً- بحاجة لوتيرةٍ أعلى تتوازى مع الشدِّ الخارجيّ العكسيّ دون أن تصطدم هذه الأولوية الضرورية مع المُلِحِّ من الحاجات على الصعيد الداخليّ.
وهنا وجب التّأكيد من جديد على حتميّة الانتباه للخارجيّ من الفِتَن، فبرغم أنّ الكثيرين لا يرغبون بسماع فكرة «نظرية المؤامرة» التي وإن كنّا لا نعظِّم من شأنها إلّا أن المنطق يفرض ألّا ننكرها كونها الحاضر الأبرز في تاريخ العالم السّياسيّ شِئنا أم أبينا وما الأردنُّ عنها ببعيد، فهو مزعجٌ حقّاً باستقراره وقدراته العسكرية واتّزانه الدبلوماسيّ وكفاءة أبنائه وبناته ولُحمتهم الوطنيّة ووئامه الدّينيّ، بالإضافة لضغط العامل «الجيوسياسي» وتحدّياته التي فرضتها (لعنة الجغرافيا) سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً.
ولا تشكيك في الإيمان بسلامة الرّهان على صلابة الأردنيِين لكنّ النفس الضعيفة عرضة للاختراق، فلم يحتَج الجنرال «اميليو مولا» لأكثر من الطابور الخامس ليحتلّ إسبانيا ولم يحتج الأخير -الطابور- لحمل السّلاح بل أطلق سهام الكَلِمِ من إشاعة وتشكيكٍ وفوضى، وما هذا تشكيكٌ بولاء أبناء جلدتنا لا قدّر الله لكن البشر يصيبون وقد يخطئون وكما خلق الله الخَيِّرين فقد خلق الفاسد والإرهابيّ والانتهازيّ وسائر فئات الخارجين عن القانون ممّن لا يؤتمن جانبهم في هذا المقام.
وينحصر السبيل في المواجهة المصيريّة -التي قد تطول- في نقطتين، أوّلها العقيدة وثانيها حسن استعمال الأدوات لمعالجة أزمة الإدارة.
فحالة (الوهن) الهُلاميّة وما تشيعه من طاقةٍ سلبيّةٍ عدوُّ التماسك الأوّل، وكذلك الملموس من عدم الرِّضا عن أداء السُّلطتين التشريعيّة و التنفيذيّة.
وعليه، يتمثّل عمود التوازن للتغلُّب على المثلبتين أعلاه في حالةٍ عمادها المكافحة الحقيقة للفساد وفقاً للقانون لا على طريقة «روبن هود» الخياليّة، مع عدالة اجتماعيةٍ ناجزةٍ لا تعرف الاستثناءات بل تتساوى فيها الفرص وتتهاوى فيها الأفضليّات إلّا بمقدار المواطنة الحقّة.
وعليه، يفرض المنطق استغلال المتوفّر من الأدوات في ظلّ وجود مجلسٍ نيابيٍّ لم تنتهِ مدّته الدستورية وحكومة مرنة لا تصعد إلى الشجرة فتأبى أن تغادر مربّع رأيها فترحل بل تصوّب مسارها و تتعامل بموضوعيّةٍ فلا تقرّب منافقها أو تستبعد ناصحها، وصمّامُ ذلك مؤسّسيّةٌ تتضافر فيها الجهود لتدعم المؤسّسات الدستوريّة إذ أنّ إنجازها مرهونٌ بقدر الرقابة عليها، ونجاحها ربح للوطن كما فشلها خسارةٌ عليه.
ذلك هو المسار الأمثل مرحليّاً ترافقه إعادة تنظيم الصفوف الحزبيّة لتكون مستعدة لخوض الاستحقاق الدستوريّ النيابيّ القادم، ذلك أسلم من الانسياق وراء طروحاتٍ قد تخلق فراغاً يفتح الشهيّة للسُّلطة فيرتفع مستوى التشويش والتجاذبات تبعاً لها، وأقول هذا لأنّ كُلفة محاربة الفساد وتغيير نمطيّة الواقع السّياسيّ وتفريغ النفوذ المتمركز لدى طبقات بعينها عالية الكلف وتحتاجُ التّعاضد والحذر والعمل لا البحث عن الفراغ.
المسيرُ يدلُّ على الأثر، وبما أنّ الثّبات في السّياسة مطلوبٌ كنتيجةٍ وهدفٍ لا كوسيلة وموقف، يبقى الثّابت المُثبت على مرِّ الأيّام أن بوصلتنا الأردنية صائبة في مقاصدها، وأنّ الدولة التي دفعت وما زالت وستبقى تدفع ثمن مواقفها القومية قد نجحت في السّير على صراط ثوابتها برغم السّهام، وأنّها تجيد اللّعب بأوراقها لتحفظ دائماً (خطّ الرجعة) دون أن تقف على الحياد في معادلة عجزت عنها أعتى الدول وأعرقها في السياسة، وسيبقى الأردنّ كذلك بعون الله وحكمة قيادته وتماسك والتفاف أبناء وبنات شعبه الأبيّ يُعلي مصالحه ولا يحيد عنها.
هي حربٌ سياسيةٌ ودبلوماسيّة، والحربُ نزالٌ وسِجَال كرٌّ وفَرّ ونحنُ من أهلها، ولن يعني إعلانٌ أُحاديٌّ نهايتها أو استسلامنا فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.