لأن الولايات المتحدة هي التي أطاحت نظام حزب البعث في العراق عام 2003 فإنه لم يكن متوقعاً أنْ يأتي يوم، بعد ستة عشر عاماً، يعقد فيه هذا الحزب أول مؤتمر معلن له في واشنطن بمعرفة لا بل ربما بدعوة من الإدارة الأميركية ومن الرئيس دونالد ترمب نفسه وحقيقة أنَّ هذا قد أثار تساؤلات كثيرة من بينها: من الذي تنازل للآخر يا ترى هل هو هذا الحزب أم هو واشنطن التي كانت تعتبره حزباً معادياًّ لديموقراطيتها وتابعاً للاتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية.
وبالطبع فإن المعروف أن الذين أصبحوا أهل الحكم في العراق بعد عام 2003 قد اتخذوا قراراً عاجلاً وفورياً بضرورة «إجتثاث» هذا الحزب وبدون التمييز بين من كان في موقع قيادي وبين أعضاء وأنصار عاديين ليس لهم أي علاقة بصراعات تلك المرحلة الممتدة منذ إسقاط النظام الملكي في عام 1958 وحتى اسقاط النظام البعثي بعد خمسة وثلاثين عاماً من حكمه.
وهكذا فإنه لم يعد أمام هذا الحزب، للتخلص من عمليات الإجتثاث التي بقيت تلاحقه على مدى كل هذه السنوات الطويلة وليكون على الأقل شريكاً في حكم العراق إلاّ القبول بمساومة تاريخية مع الولايات المتحدة التي هي أيضاً قد أصبحت بحاجة إلى «البعث» لتكون هناك معادلة تستطيع الإستناد إليها للتخلص من الهيمنة الإيرانية وهكذا فإن يوم الأربعاء المقبل الثالث عشر من هذا الشهر سيكون «مفصلياًّ» إذْ أن هذا الحزب الذي حكم العراق لسنوات طويلة منذ عام 1968 وحتى عام 2003 بات مضطراً لهذه المساومة التاريخية وعقد مؤتمره الإنقاذي في واشنطن وبدعم أميركي أولاً ليرفع الذبح عن أعضائه وملاحقتهم بالإجتثاث والمطاردات والتشريد وثانياً ليصبح رقماً فاعلاً في مواجهة السيطرة الإيرانية على بلاد الرافدين وعلى بعض دول هذه المنطقة.
إنه معروف أن غالبية البعثيين من غير العراقيين الذين هم من دفع الثمن غالياً سيرفضون هذا وسيستنكرونه لكن يجب النظر إلى هذه المسألة من زاوية واقعية وعلى أساس أن الولايات المتحدة باتت هي الرقم الرئيسي في معادلة هذه المنطقة وأنه لا بد من التعاون معها لمواجهة التمدد الإيراني الزاحف وعلى أساس أن عدو عدوي صديقي وأن معطيات وقيم اليوم هي غير تلك التي كانت بالأمس وأنَّ إستعادة دولة عربية بكل هذه المكانة وهذه الأهمية تستحق إعادة النظر بالمفاهيم السابقة كلها وإستبدالها بمفاهيم جديدة.
نعم..إنه من حق حزب أُنتزعت منه السلطة وانتزع منه الحكم بقوة خارجية أن يستعين بهذه القوة نفسها لتكون في العراق معادلة جديدة يكون شريكاً فيها فالأمور بالنسبة لهذه المسائل لا علاقة لها بالعواطف وانتشال هذا البلد مما هو فيه يتطلب أن يتعاون هذا الحزب بفرعه العراقي مع الولايات المتحدة ومع كل من لديه الإستعداد للتعاون معه حتى بما في ذلك بعض من لديهم مقاليد الأمور في بغداد.