مر يوم المرأة العالمي، دون احتفالات تذكر...من دون أن يعد التلفاز تقريرا، تظهر فيه (ام صايل) وهي تتحدث عن مشروع نسوي متعلق بانتاج (الجبنة الحلوم)..وبمناسبة هذا اليوم، علي أن اتذكر النساء في الكرك، من حقهن هناك أن نحتفل بهن..
لماذا كل الوزيرات من عمان؟ لماذا لايوجد وزيرة من الكرك مثلا تدعى (ام سالم)، ويناديها الإعلام معالي أم سالم..وتأتي إلى الوزارة بمدرقة، ومن الممكن أن تحضر جلسات مجلس النواب بمدرقة؟...لا أعرف حقيقة لماذا؟..ولكني أعرف النساء في الكرك...وأعرف أننا حين كنا أطفالا لم تكن لدينا أسرة (هزازة)، بل كانت أمهاتنا تصنع من شرايين القلب حبلا مربوطا بأجنحة النوارس...وتهزنا السماء، هل يوجد بحر في الكرك حتى تحلق على شواطئه النوارس؟...نعم عيون أمي كانت أجمل من كل البحار، نحن اختصرنا البحر في عيون نساء الكرك..
أصلا الكرك لا تحتاج وزيرة، من قال أنها تحتاج ذلك؟..فقط عليكم يوما أن تقفوا، على مدخل المدينة...وراقبوا البنات اللواتي جئن من القرى البعيدة، في الباصات..لمزاولة أعمالهن في دوائر الحكومة، راقبوا منى..كأنها بلقيس التي بكى الشعر عليها، راقبوا روان...وهي تمشي مثل غزال لشدة جماله، خجل العشب وفتح لها طريقا من تلقاء نفسه، راقبوا تهاني..وهي تحمل في يدها، بعضا من الشوق...هناك فقط الشوق مثل محفظة يعلق على الكتف، وراقبوا وصال...تقود طفلها في شارع الخضر، وتحمي وجهه بمنديلها، خوفا على النسمات الباردة أن تسرق من عينيه دمعة...
نحن أصلا لا نحتاج إلى وزيرة من الكرك، لأن كل قلب كركي هو حكومة، وعيون الكركيات منذ زمان جعفر وزيد وعبدالله وزيد..امتلكن القلب والنبض، والدمع.
الكرك في يوم المرأة العالمي لا تحتاج وزيرة، بل تحتاج لمن يقرأ تاريخ مشخص، ومشخص المجالي..أسست نهجا في الثورة والقتال والحرية، وتحتاج من يفهم دمع زوجة الزعيم ابراهيم الضمور، حين اغتال الأتراك أولادها..وتركوها بين السيف والدمع..تبني في المدينة، حالة من الفداء... وتقول لابراهيم: (دم اولادك ولا تسلم دخيلك)...
نحن لا نؤمن بوزيرة، تتحدث الإنجليزية بلكنة (يوركشاير)، لا نؤمن بوزيرة أيضا لفرط ما تضع من مكياج، التبس علينا وجهها ووجه المذيع...لا نؤمن، بالليبرالية الهدامة..بل نؤمن أكثر، بجديلة طيرها الهواء الكركي، وحمل بعضا من الحناء لفلسطين..والهواء في الكرك غير الهواء في كل مكان، فهو عاشق صب..لكثرة ما مر على جدائل الصبايا لم تعد تعرف له وجهة، فهو شمالي وجنوبي وشرقي تارة وغربي تارة أخرى...لقد ثمل الهواء في الجنوب من الحب.
ثمة فارق بين أرض تنتج النساء المقاتلات، وبين زمن تنتج الحكومات فيها الإكسسوارات...ثمة فارق بين تراب عبر عليه الدم وبين ورشات عمل للثرثرة، عبر عليها الكعب الإيطالي الفاخر...ثمة فارق بين من كانت عيونهن بحرا من الشوق، ومن جعلن من وريد القلب..حبلا لأرجوحة معلقة في أجنحة النوارس، وبين من تزين بالعطر الفرنسي..كعنوان للثراء والترف..
النساء في الكرك على الأقل يمتلكن الهوية والتاريخ ...وإن كان الخبز على موائدهن قليل، إلا أن التاريخ..على الأهداب هناك كثير ومليء بالبطولة والتضحيات.