أستطيع أن أدعي براحة ضمير أن الدولة الأردنية دولة تملك ملامح واضحة في جوانب عدة من مشروعها، وقد قطعت خطوات واسعة لإنجاز هذا المشروع، فالدولة لم تنقض على خصومها الأردنيين الذين كانوا يعتقدون امتلاكهم لمشروع مناهض لمشروع الدولة الأردنية، ولم تنقض على من حاولوا قلب الطاولة في «أيلول»، حيث كانت الدولة قادرة، بهدي من مشروعها، أن تعيد ترميم الشروخ وترسيم العلاقة مع أبنائها والآخرين بهدوء وروية، وتستطيع إدماجهم داخل مؤسسات الدولة، وإعطائهم مناصب مؤثرة في صناعة القرار.
وعلى الجانب الاجتماعي فإن الدولة تدرك أن المجتمع الأردني له طبيعته الخاصة في تكوينه وفي تشكيل علاقاته الاجتماعية السياسية، كما أنها تعرف تماماً أنه من الضروري الحفاظ على النسيج الاجتماعي دون أن يتم تشكيل (كتل حرجة) اجتماعية سياسية، وهو ما جعل الدولة حذرة بمقاربتها لأي تغيير يمس البنى الاجتماعية لعلمها أن اللعب غير المدروس في هذا المجال كمن يلعب بمادة اليورانيوم التي قد تنفجر في أية لحظة، فكانت التغييرات تتم بهدوء، على أن يعطى الوقت الكافي لدراسة أثر التغيير.
اقتصادياً، ورغم كل ما يقال عن مغادرة مربع الدولة الريعية، فإن الدولة تدرك مسؤوليتها تجاه الأردنيين، ولم تتجرأ الدولة على التبرؤ من التزاماتها، بل إنها تركز على أن هذه الالتزامات حقوق ثابتة للأردنيين في ذمة الدولة، مدركة أن فقر الموارد الطبيعية ينعكس على شكل فقر للمواطن الأردني، وحتى تستطيع الدولة المضي قدماً بمشروعها يجب أن تكون أغلبية الأردنيين مرتاحين في طبقتهم الوسطى، وذلك يتطلب حضور الدولة بصورة تحمي أبناء هذه الطبقة.
ماذا حدث للدولة الأردنية ومشروعها إذن، وما هو المنعطف الذي تمر به الدولة، سؤال بات يقلق كثيرين، خصوصاً وأن الدولة بدأت تمر بأزمات لا تستطيع معالجتها أو تبريرها، ولم تعد الشعارات العريضة كافية لتهدئة الروع والخوف، فالوقت الذي كانت فيه الدولة تتبنى يساريين وقوميين وإسلاميين وإدماجهم في مؤسسات الدولة لإعطاء الدولة لونها القزحي والتمثيلي للوطن قد ولّى، وحل مكانه زمن الاستبعاد والتحجيم، وظن أصحاب نظرية الاستبعاد والتحجيم أنهم جاءوا بجديد، وسوّقوها على أساس أنها تؤكد قوّة الدولة، ولم يدركوا أنها تضعف الدولة ولا تقوّيها، وأنهم حين استقووا بالدولة على خصومهم إنما سنّوا قانوناً سيطالهم ولو بعد حين، حين يستقوي آخرون بالدولة عليهم ويقوموا باستبعادهم.
ماذا حصل لمشروع الدولة الاجتماعي، ومن قلب معطيات المعادلة الاجتماعية في الأردن، من زج الدولة في آتون التغييرات غير المدروسة للخريطة الجينية للبنية الاجتماعية الأردنية، هذا اللعب غير المدروس الذي أنتج كتلاً اجتماعية حرجة، فقدت هي نفسها قدرتها على السيطرة وانفلتت من السيطرة، فاستطاع (سحرة) الدولة إنتاج أمساخ اجتماعية هائجة، دون أن يبرروا خطاياهم ودون أن يتركوا قوارب نجاة للدولة.
أما اقتصادياً، فلا يستطيع أحد تلمس الملامح الجديدة للمشروع الاقتصادي الوطني لدولة الناتج عن انزياحات غير مفهومة في سياقها، فالقطاع الاقتصادي بتحالفه مع قيادات الكتل المسخية الاجتماعية أنتج طبقة سياسية جديدة غير قادرة على قراءة مشروعات الدولة، فأنتج مشروعات شفاهية غير ملزمة تتغير بسرعة دون إنجازات حقيقية.
الذي حدث للدولة أن فئة ضيقة قُيض لها خلال فترة من تاريخ الأردن أن تكون في مواقع مؤثرة، وهو ما أدى إلى إحداث عطب في آلية إنتاج النخب والتعامل مع تلاوين قوس القزح السياسي والاجتماعي، وهو ما يتطلب تحديد موقع الدولة الآن وإحصاء حجم الخسائر، وإعادة الدولة للسير على سكة مشروعها مرة أخرى، والعمل على ذلك بأسرع وقت ممكن، فالدولة الأردنية قادرة على العبور من ضجيج المرحلة الحالية إلى سكينة مرحلة قادمة، فرغم تعدد الإصابات، ما زال «المقر» مقراً للقرار الدقيق وقمرة قيادة قادرة أن تقرأ المشهد بوضوح بما يحمله من خفايا بين السطور.
فالانتصار لمشروع الدولة لا يعني (للخلف در) بل هو انتصار للدولة القادرة على تجيير تاريخها كوقود للانطلاق بثقة وهدوء إلى الأمام بجميع مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتآلفة داخل سياق مشروعها التاريخي.