اسمحوا لي أن احدثكم عن الفن والسياسة، وعن ضرورة الفن الذي يمثّل الجمال في زمن الحرب، علني أعيد للزمن روحه وعافيته وتفاؤله بعد سلسلة الحروب التي انتجتها القيم الرأسمالية البائسة التي فقدت روحها وإنسانيتها.. هي حكاية فيلم سينمائي سوري إنساني بامتياز.
المذيع السوري المتقاعد عيسى عبدالله عاش في عزلة جذبته لزيارة المقابر، لأنه اكتشف أن عدد اصدقائه الذين يرقدون في مدن الصمت أكثر من عدد اصدقائه الذين يعيشون معه وحوله. ولكنه في النهاية ينحاز إلى الحياة، ويتوقف عن تبجيل الموت، ويواصل رحلته على متن حافلة لشركة اسمها «فرح» مغادرة من دمشق إلى حلب المحررة، من أجل لقاء ابنته، متجاوزاً كل العراقيل والصعوبات والمخاطر.
في هذا الفيلم الجديد المضحك المبكي قدم بطله دريد لحام سيمفونيته الأجمل وقصيدته الأروع. هو فيلم روّض الواقع ومزج بين الكوميديا والتراجيديا، وعبر عن هموم المواطن بكل صدق، دون أن يدخل إلى مضمار السياسة المباشر.
المذيع عيسى عبدالله «دريد لحام» كان يعيش في عزلة مكتئبة ضمن حلقة ضيقة من أصدقائه، لأنه رأى أن عالمه ينهار من حوله، لذلك قرر رفض الواقع، وفضّل أن يظل عالقاً في الماضي يحمل في ذاكرته أيام الزمن السوري الجميل، ويتسلّح بذكريات العاشق ليهزم النسيان.
في الفيلم الذي أخرجه باسل الخطيب شيء من الرمزية، ولكن في الرحلة الطويلة ما بين دمشق وحلب، ومحطاتها العديدة، محاولة ناجحة من شريحة اجتماعية تشكلت من تعددية عمرية ومهنية، لتعزيز وتكريس القيم الإيجابية الإنسانية مثل التسامح والتكافل ونبذ العنف والتعصب، وهي مهمة الفن القادر على نقل الواقع بكل سلبياته وإيجابياته ومعالجة عدم التوازن داخل هذا الواقع.
وبهذه المناسبة، لا أريد تقديم نقد فني للفيلم، لأن ما يهمني هو ما احتواه من تعبير صادق عن الواقع السوري ومعاناة المواطن الذي اجتاز رحلة صعبة، حيث كان همه الأول الصراع من أجل البقاء والانحياز للحياة، وقلقه على وطنه شعباً وارضاً، ويحسب لهذا الشعب صبره وصموده وقدرته على اجتياز هذا المشوار الملتهب الطافح بالعذاب والمعاناة.
خلال الفيلم ابتسمت كثيراً ولكني حزنت أكثر، إلا أن الفيلم يؤكد أن الحياة أقوى من الموت، وأن سوريا ملكت القدرة على اجتياز مسيرتها المزروعة بالألغام، وأن الفرح متواصل، خصوصاً أن إنتاج الفيلم تم خلال الحرب، وهذا يؤكد ضرورة الفن للشعوب والحياة، مع التذكير بأن الأفلام السورية الاجتماعية الإنسانية التي انتجت خلال الحرب حصدت جوائز مهرجانات قرطاج والإسكندرية وشرم الشيخ السينمائية مثل فيلم «دمشق حلب» وفيلم «مسافرو الحرب» وهذا يعني أن السينما السورية اخترقت الحصار.