فوجئت هذا الصباح , بخبر وفاة الفنان (سعد الدين عطيه) .. أنا أعرفه من خلال الشاشة والمسرح , وعرفته أكثر حين كنت مديرا لمركز الحسين الثقافي , كان يأتينا بشكل يومي , كي يوثق على صفحته ..أنشطة أعضاء النقابة , والأعمال المسرحية والفنية , ويتجول في المركز ...ويشرب القهوة على عجل , فقد كان خجولا ومؤدبا جدا ..
الطيبون يذهبون بسرعة يا سعد , والأوغاد يقتحمون الحياة بخطى واثقة وإن كانت جبانة ....وأنت يا سعد من حزب الطيبين الذين يجبلون الإبتسامة في الصباح ..مع نسمات الرضى , ويمشون في الحياة هونا ..وكان قدرك , أن لا تترك لنا في الذاكرة سوى ابتسامة ..خزنتها في قلبي ..وما يزيد عن مئة صورة جمعتني بك ...فكلما كنت تزور المركز , لابد أن نلتقط أنا وأنت صورة سويا , وفي اليوم الثاني تنشرها على صفحتك ...صحيح أني كنت أطول منك جسديا ,...لكن بساطتك وابتسامتك كانت أكبر مني بألف عام ...
أنا مثلك يا سعد, لست مسؤولا في الدولة , وأعرف أن مجلس الوزراء لن يتداعى إلى بيت العزاء , أعرف أيضا أنهم لن يطلقوا اسمك على شارع نظيف ومهم في عبدون , وأعرف أنهم ربما لن يقيموا حفل تأبين ..يتسابق فيه رؤساء الوزارات لنثر بلاغتهم , وبطولات ما بعد التقاعد ...أعرف يا سعد , وأعرف أيضا أن الحكومة لن ترثيك على (تويتر) ربما لأنك لم تلبس مثلهم (بيير كارديان) ولا (مسيمو دوتي).. وربما لأنك لست ليبراليا , ولا تدخن السيجار الفاخر ..ولم تكن يساريا وتنقلب إلى اليمين بفعل الصدفة أو المنصب , وأعرف يا سعد أيضا ..أن من سيحملونك على أكتافهم , هم مجموعة من الفنانين البسطاء في الشكل , ولكن في القلب هم ليسوا بسطاء أبدا ..هم عمالقة فكل واحد منهم يملك قلبا بحجم وطن .
لكن قلبي يا صديقي وأخي لم يطاوعني أبدا ,فحين فتحت جهاز (اللاب توب) كي أكتب مقالتي هذا الصباح ..شاهدتك تخرج من حرف الباء ومن الهمزة , وشاهدتك متكئا على منعرج الواو ...كنت حاضرا في اللغة وفي قلبي, وفي ما تمرد من دمع العين ...وها أنا أكتب عنك يا أخي ...لأن الحب ينتصر للحب , ولأن القلب الكركي ..ينتصر للفن , والفن يا سعد ينتجه الأنقياء مثلك ..وينتجه من أحاطونا بابتسامتهم ...ولأنك يا سعد طيب مثل وطننا تماما , وقانع ..ورضيت بنصيبك من الحياة , وعبرتها مؤمنا بمهنة أحببت ...وبواقع قبلته بكامل الرضى .
وها أنا أقلب صوري معك , فأنا أحتفظ بالصور يا صديقي ...وقد تشرفت بك صديقا وزميلا , ومحبا ...وأظنك حين تسجى في القبر , في الإغفاءة الأخيرة من الحياة ..وينثر التراب فوقك , أظنك ستنشر في المقبرة بعضا من الفرح , أنت حتى في الموت تقهر الحزن بابتسامة ..هي كحد السيف ..تذبح الوجوم والتردد وحتى الدمع ...
رحمك الله يا سعد ...يا أنبل الناس , وأجمل البشر ..