من ينظر إلى الوضع الأردني الداخلي يلحظ بسرعة حالة من الاحتقان الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، هذه الحالة تؤثر بصورة واضحة على المزاج العام للأردنيين، حيث فقد الغالبية منهم القدرة على التخطيط للمستقبل، وبات يعيش يومه ويخشى من سؤال ما الذي سيحدث غداً.
ونتج عن هذه الحالة الرمادية القاتمة حالة اصطدام خشنة بين مكونات المجتمع ومؤسسات الدولة في أكثر من حالة، وصارت الدولة هي المتهم الأول في أية مسألة، وصار يتشكل ما يشبه التوافق العام على تحميل الدولة مسؤولية كل ما وصلنا إليه اليوم، وفقدت مؤسسات الدولة مصداقيتها وقدرتها على التأثير على المزاج العام الأردني.
اليوم لا تبدو الحكومة كجهة قادرة على رأب الصدع الحاصل في العلاقة بين المواطن والدولة، وكذلك يبدو مجلس النواب غير مؤهل على لعب هذا الدور، ويرافق ذلك شعور عام بأن التركيبة الحالية للحالة السياسية في الأردن من الضروري تغييرها لتتجاوب مع متطلبات المرحلة، وتكون قادرة على أن تكون بوابة شرعية لما هو قادم.
تجربة الدكتور عمر الرزاز، التي يراها البعض قصيرة في الدوار الرابع، والبعض يعتقد أنها استنفذت إمكانياتها وفرصها من التعديل، تبقى مثار خلاف بين العامة والنخبة على حد سواء، بل بين من يضعون أنفسهم ضمن صفوف الليبراليين والدولة المدنية، فمنهم من يرى أن دولة الرئيس انتصر لليبرالية والدولة المدنية بحدود عالية، ومنهم من يرى أنه لم ما يذكر في هذا المجال.
المشهد السياسي الأردني المعقد، والذي تتداخل به القضايا المحلية بتشعباتها والحالة الإقليمية والحلول المتوقعة في المستقبل القريب ومدى تأثيرها على الأردن، سواء تعلق ذلك بالقضية الفلسطينية وصفقة القرن، أو في علاقة إسرائيل مع دول الخليج، أو في الملفين السوري والإيراني أو التواجد الروسي والأميركي في المنطقة، عداك عن تداعيات الأزمة الخليجية، والوضع الكردي وتركيا، هذا المشهد يبدو أنه يحتاج لحل جذري، كي يستطيع الأردن الانطلاق من جديد، بعيداً عن حالة الشكوى والتذمر وعدم اليقين الذي يتعاطاه كل من المواطن الفقير أو المتوسط أو الغني، أو المسؤول الحكومي على حد سواء.
أعتقد أننا أمام فرصة حقيقية لا يمكن إضاعتها، وهي في الوقت الذي تبدو فيه بوابة الخروج من المأزق، إلا أنها في ذات الوقت هي فرصة محدودة بفترة زمنية ضيقة، تصبح بعدها غير ذات جدوى، هذه الفرصة هي تشكيل حكومة برئاسة شخصية سياسية قوية، وأن تكون هوية الحكومة هوية سياسية واضحة، وقادرة على إدارة شؤون البلاد من دون الدخول باشتباكات تضعفها أو لا مبرر لها.
وفي ذات الوقت إطلاق لجنة ملكية لمناقشة ميثاق وطني جديد، يُطلب منها وضع تصورات لقانون انتخاب نيابي، وقانون أحزاب، وقانون المجالس المحلية والبلديات، وكيفية تشكيل الحكومات القادمة، وخطوط عامة واضحة لمحددات الأردن في علاقاته الخارجية وموقفه من الملفات الخارجية المذكورة أعلاه، على أن يتم تضمينه مع ديباجة الدستور الأردني كي يكون له قوة دستورية وأخلاقية في ذات الوقت.
فإذا كانت اللجنة الملكية للميثاق الوطني لجنة تمثيلية حقيقية لشرائح وفئات وقوى المجتمع، فإن القبول بمخرجاتها سيحقق درجة كبيرة لدى المواطنين، ونستطيع أن نبدأ الكتابة على صفحة جديدة ومن أول السطر، وتصبح هذه التجربة الأردنية حالة يتم تدريسها في كيفية الخروج من المأزق، وإحداث توافق مجتمعي وسياسي باعتماد لغة الحوار والتوافق في منطقة يسود فيها لغة الاستقواء والدماء.