أقرأ في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وأشاهد على شاشات الفضائيات، واسمع في الشارع الكثير من الضجيج الباحث عن أجوبة لأسئلة كثيرة، وأنا أعرف أن التساؤل مبعثه الشك، بهدف الوصول إلى اليقين، وهنا من الواجب أن نعرف كيف نشرح للناس هذا الالتباس، عبر حوار عقلاني تحت سقف وطني واحد، كي لا يضيق الهامش بالجميع ليصل حد العبث أو الدخول في متاهات «معارضة ربيعية » تزيد المشهد غموضاً وتعقيداً.
من واجبنا أن نستوعب تفاعلات الحاضر وأسبابها باكراً، والوقوف على أصول كل خبر وكشف الأقوال المكذوبة، وعدم تشجيع الذين يطنبون في المغالط ويخلطون اللباب بالقشر، لأنهم يقطعون الطريق أمام كل قول صادق وغيور على مصالح البلاد والعباد، وهذا يتطلب تكوين منظومة فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية واقعية إصلاحية، قادرة على إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمواطن على قاعدة احترام القانون وهيبة الدولة واحترام حقوق وحريات المواطن الفردية والجمعية، وأولها حقه في حياة كريمة، كي لا تتراجع الدولة من الحالة المدنية إلى الحالة الطبيعية، كما حدث في أكثر من قطر عربي.
الحاضر يؤكد أن الأردن محاصر اقتصادياً، لأسباب استباقية كثيرة تتعلق بتطورات إقليمية تستهدف ثوابته، ولكن الحال لا يستدعي القلق، لأن الاردن بموقعه الجغرافي يتوسط بلاد الشام، ويشكل باعتداله وموقعه محطة استقرار ونقطة ارتكاز في الشرق الأوسط كافة، وهذا الموقع منحه ميزة سياسية جغرافية أعطته الكثير من القدرة على الحركة والتاثير، لذلك أرى أن المجتمع الدولي لن يسمح بتدهور الأوضاع الاقتصادية أكثر، وإن كان لا يسمح بمنح الأردن القوة الاقتصادية الكافية التي تجعله قادراً على المبادرة باستقلالية تتجاوز مصالحه واحتياجاته.
الأردن ليس وحده الذي يواجه الحصار الاقتصادي المتمثل بنظام المساعدات بالتنقيط، بل هناك شريكان عربيان هما مصر ولبنان، والأسباب باتت معروفة للجميع وتتعلق بالمشروع الأميركي الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية، مع ضرورة التذكير بأن لهذه الدول مصالحها العليا وثوابتها، لذلك قررت الولايات المتحدة فرض الحصار الصامت باستخدام البنك الدولي وصندوق النقد، وبالتالي فرض شروط قاسية على الحكومات المعنية، وبشكل يؤثر على المستوى المعيشي للشعوب بهدف إحداث خلل اجتماعي يصيب الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، دون الالتفات الى الحراكات والانتفاضات الشعبية الاجتماعية.
الكثير من الاجراءات التي يطلبها البنك الدولي، والتي يسميها إصلاحات اقتصادية، تتمحور حول زيادة الرسوم والضرائب ورفع الدعم عن السلع، وهذه الاجراءات تزيد من الفقر والبطالة إضافة إلى أنها طاردة لفرص الاستثمار الجديدة، وتحرم المجتمع الفقير من فرص عمل، بل تزيد من نسبة البطالة، إضافة ألى انتشار الفساد الذي لا يقاوم.
وعندما نتحدث عن الأردن، يجب حماية حق المواطن الأردني في التعبير عن أوجاعه الفردية والجمعية ومطالبته بالإصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة في توزيع الثروة، بكل الوسائل المتاحة دون اللجوء إلى العنف والفوضى، لأن الأصوات الصادقة عندما ترتفع، على الحكومة أن تستخدمها كورقة ضاغطة لمواجهة الشروط القاسية المجحفة التي تفرض عليها، وأن تتمسك بثوابتها لأنها تملك سلاحاً آخر قويا هو «سياسة الجغرافيا» التي تمثل نقطة الارتكاز والتوازن للمنطقة كلها.