مات الصديق صالح عربيات، جاء إلى الصحافة متأخرا قليلا, وغادر العمر مبكرا جداً، لم يسعفه المرض في أن يكمل توثيق التاريخ الإجتماعي في السلط, فقد التقط ما لم نستطع التقاطه, وتطور كثيرا إلى الدرجة التي أبهرنا بها.
حين بدأ في العرب اليوم, تعرفت عليه.. وكان مثلي موزعا بين الوظيفة والمقال, وبين أن يخط له أسلوبه الخاص ونكهته الخاصة, أو أن يكتب ما يمليه عليه الظرف.. ويتعاطى مع الصحافة كمهنة فقط, لكنه فضل أن يتمرد كثيرا.. ونقل الموروث السلطي, والحكايات.. وتناقضات الناس وأوجاع البلد إلى المقال, وكتب بأفضل مما كتبت.. لدرجة أني كنت أتمنى أحيانا أن أسرق من أفكاره, ولغته الرشيقة.
اخر مقال قرأته له كان بعنوان (البلد في انكماش), ثم توقف بعدها عن الكتابة, فقد استبد به السرطان, وظل يقاتله حتى اخر لحظة من عمره.. إلى أن سلم الروح لخالقها طائعا راضيا بالقدر.
تأخر صالح في الالتحاق بهذه المهنة المتعبة, لو جاء في منتصف التسعينيات لأنتج حالة فريدة في الصحافة الأردنية, فهو يكتب من قلبه.. تماما, وظل وفيا للسلط لم يتركها, ولم يترك منزله فيها.. ولم يترك أسواقها ولا شعبها.. وذات يوم سألته برسم المناكفة: لماذا لا تحضر السلط في مقالك مثلما تحضر الكرك في حروفي؟.. رد علي: لأني لم أتركها, وكل يوم أعود إليها بعد انتهاء عملي.. بالمقابل أنت غادرت الكرك, ولا تستطيع العودة إليها يوميا, وتبرر الاشتياق عبر حضورها في مقالك.
في الأشهر الأخيرة من حياته, لم يحضر أي لقاء رسمي, هو لقاء واحد مع الرئيس حضره فقط, وكان ذلك بعد تسلمه الرئاسة بشهر واحد, وجاء إلينا متعبا يمشي على وجعه, لكنه لم يشعرنا بشيء.. ظل يضحك, ويمازحنا.. وحضر كامل اللقاء معنا, وكان جسده ووجه.. يخبرنا بحجم الألم وشراسة المرض.
بعد ذلك اعتذر عن كل اللقاءات, وفضل السلط مستقرا.. وترابا يضم جسده المتعب بعد الرحيل.
في الفترة الأخيرة, لازم المنزل.. وكانت حواراتنا عبر الفيس بوك والاتصالات, ولم أجرؤ أن أزوره, فقد كان الكيماوي.. يسرق من جسده النحيل الصوت, والقوة.. لكنه أبدا لم يسرق العزيمة, فقد ظل وفيا حتى اخر لحظة من حياته, للمقال.. وللحياة ذاتها.
رحمك الله.. يا صالح.. كنت أنبل الناس وأصدقهم, وأعفهم.. وكنا نخجل منك كثيرا, لحجم ما تحمل من الخلق والطيبة.. لكنك عشت العمر سلطيا مقاتلا.. طوى الأيام على كفيه, ومضى في العمر.. مكافحا وصابرا.. ونبيلا لدرجة.. خجل منك النبل فيها.