كل أجهزة الكمبيوتر في العالم, تحتوي على زر مكتوب عليه (ديليت).. وإذا ضغطت على هذا الزر, تستطيع أن تمحو ألف صفحة كتبتها, وألف صورة.. تستطيع محو كتاب كامل, وكل البرامج التي أنزلتها.. وكل المستندات, حتى الجهاز نفسه تستطيع شطبه..
أنا أعتب على الأردن كثيرا, وتمنيت لو أن الله خلق لي في تجويف قلبي (كبسة) مثل جهاز الكمبيوتر.. تحمل اسم (ديليت).. كي أشطب لوعة أصابت قلبي في حب هذا البلد..
حاولت أن اشطب من قلبي, ذكرى الراهب الذي.. حملني على كتفيه في الكرك, حين كنت طفلا, و حاولت التسلق.. على سورمنزل كي أقطف ليمونة, تمردت على السياج, وخرجت منه.. يومها وحين شاهدني (اتشعبط) على الجدار وأحاول الوصول ولكن من دون جدوى, حملني على كتفيه وقطفت الليمونة, وهمس في أذني قائلا: (لاتخبر أحدا.. وأنا لم أشاهد شيئا) ثم مضى.. كأنه في قرارة نفسه, خاف على طفل.. أشتهى ليمونة, أن تبدد الأسوار أحلامه.. فحقق له الحلم.. يومها عرفت معنى الدين والتسامح والحياة.. وظلت الذكرى في رأسي لم ترحل, وكلما حاولت مسحها.. ذبت في الأردن أكثر والتصق هو بي أكثر.
حاولت أن أشطب من قلبي, سيارة (اللاند روفر) العسكرية, حين يأتي أهلنا الجنود فيها أيام الخميس, كانت السيارة الوحيدة, المسموح لنا أن نصعد بها.. ونسرق صور الملك حسين التي علقها العسكر على (التابلوه) ونلصقها على كتب الجغرافيا واللغة العربية, ونشعل الأضواء ونطلق (الزامور).. ونعبث بشبابيكها, ونسأل أنفسنا.. كيف حولنا في هذا الوطن البندقية لمرج من الحنان.. وحولنا الروفر العسكرية لحديقة يلهو بها الأطفال.. حاولت أن أشطبها من قلبي لكنها لم تشطب, وكلما استعدت ذكريات (الروفر) ذبت في الأردن أكثر.
حاولت أن أشطب من قلبي أيضا, عجوزا أثقلها الزمن في (عقربا) التقيتها حين كنا طلبة في الجامعة الأردنية وذهبنا إلى هناك, نادتنا.. وأطعمتنا من (حاكورتها) بعض العنب والتين, وأحضرت لنا الماء.. وكلما ارتشفنا من إبريقها قالت لنا: (صحة يا يمه ..صحه).. هل طعم الماء في عقربا مختلف عن بقية المدن؟ لا أظن.. ولكن طعم الدعوى التي أطلقتها هذه العجوز لنا.. ونحن نشرب من الماء, ربما سرى في الروح.. في مصب الفؤاد.. وامتزج بدمنا, فكان من الروح أن حولته لعسل مصفى.. حاولت "ياما" حاولت أن أشطب صورة العجوز من رأسي , لكني كلما حاولت زاد التصاقي بحوران وبقمحها.. وبالحب الذي ينبت في كل ربيع.. ويختلف عن سنابل القمح أنها تحصد, لكن العشق في حوران تعجز المناجل عن حصاده.
حاولت أن اشطب من ذاكرتي, بدو الجنوب.. وخطاهم على الصحراء.. والفتى النشمي (عارف) الذي كنا نزوره.. ويقطن على مشارف وادي رم.. كان يأخذنا في نزهة على الرمل, ويشعل لنا النار.. ويطلق مع مغيب الشمس العنان لقصائده النبطية, وقد تعلق في حب صبية.. تركت بعضا من خطاها على رمل رم, وأنا كان يتعبني هذا الشوق في عيونه.. ولوعة الصوت حين تخرج على نسق الوزن والقافية.. كأنه يكتب القصيدة على بحر جديد هو بحر الشوق والحب معا.. حاولت أن أشطب عارف, من رأسي ومن قلبي ولكني كلما تذكرته.. أيقنت أن البدوي في هذا الوطن.. هو وهج القصيدة, وذخيرة البندقية.. وهو الحب والوفاء من أول سطر في كتاب الأردن.. وحتى الأبد.
الحكومات كلها لديها في القرار وعلى أجهزة الكمبيوتر (كبسة زر) تسمى بالإنجليزية (ديليت) ويستطيعون شطب برنامج, شطب وظيفة.. وشطب الأحلام.. يستطيعون شطب المال, وشطب راحة البال.. يستطيعون شطب الميزانيات وأرباح الشركات.. يستطيعون شطب كل شيء, إلا هويتي.. هويتي لا تشطب بكبسة زر ولا بقرار..
لن تنزعوا من رأسي حوران, ولا ذاك الراهب النبيل, ولا البدوي عارف.. ولا عجوز سقتنا من طيب حنانها في عقربا, ولا سيارة الجيش.. لأن الأردن يشطب من يحاول شطبه.. إحذروا فهذا وطن, يلغيه الله فقط إن أراد.. أما الدنيا كلها لو اجتمعت.. فلن تجرؤ على شطب بيت واحد من قصيدة حب لعارف البدوي..
أنا أجرؤ على عشقك يا بلادي.. وأجرؤ كثيرا.. فالحب على ثراك ليس بكبسة زر, الحب قرار يحميه الله..