منذ (30) عاما وأنا خارج الكرك , غادرتها صبيا في أول الخطى ...وحين أعود إليها نتذكر أنا وأبناء عمومتي , ومن هم في جيلي الشوارع, وأعمدة الكهرباء ..والبيوت وما رسمنا من قلوب على الجدران .
ونبدأ بسرد الحديث , عن مشاجراتنا ..وهروبنا من المدرسة , وتعب الحياة ..وعن الذين ذهبوا ولم يعودوا , وعن الجدات ..والشجر الذي زرعناه وكبر , وعن هروبنا من المدرسة , وعقاب الوالد .
من هم في جيلي , بقيت شواهدهم في الكرك, فشجرة السرو الكبيرة زرعها أحمد ..وسارية العلم التي ما زالت منتصبة في المدرسة , قام محمود وعوض برص حجارتها ...واللوحة الكبيرة التي تقول : (أهلا بكم ) قام خالد وسلامة بتثبيتها على الجدار وبقيت منذ (30) عاما وهي مستندة على الجدار .
المشكلة أني لم أزرع شجرة ولم أنصب سارية, ولكني كنت كلما قام أحدهم بعمل (صبة باطون) داهمتهم وكتبت اسمي مع التاريخ عليها , لايوجد في قريتي (صبة) إلا وكان اسمي مدونا عليها ...وأنا بصراحة صرت أخجل من الذكريات فجميع أقراني زرعوا شجرا , وبعضهم أقام سياجا حول منزله ..وبعضهم رسم لوحات على الحائط إلا أنا قمت بنقش اسمي على الباطون ... وما ظل أحد إلأ ومر عليه .
الحكومات في الأردن تشبهني إلى حد بعيد, فبعضها يتعاطى مع التاريخ مثل من يزرع شجرة في الروح , وصفي التل كان تماما كذلك , وكل يوم تزهر هذه الشجرة وتكبر وتنمو , وترمي بثمرها ...وبعضها يقيم لوحة على جدار التاريخ , وقد تتفق مع ألوانها وقد تختلف , ولكنها تترك بصمة مهمة في الحياة مثل حكومة الكباريتي .
وبعض الحكومات تشبهني ,إنجازها يكون مجرد نقش التاريخ والاسم على الباطون ...بمعنى : مجرد تاريخ عابر واسم على الباطون .
حين كنت طفلا , نسيت أمرا مهما ...وهو أن الكل سيعبر من فوق اسمي وتاريخ النقش الذي حفرته في الباطون ...
والحكومات تنسى مثلي , فحين يكون الإنجاز هو الباطون فقط , فلا تعتب على التاريخ حين يعبر الناس ..من فوق الاسم والنقش .