في اقل من شهر، شهد مركز أحداث الرصيفة (أسامة بن زيد) المعني برعاية وتأهيل الأحداث المدانين بخرق القانون تجاوزات سلوكية كان أولها هروب عشرة احداث من المركز تبعها احداث شغب من قبل المنتفعين بالمركز الاسبوع الماضي.
وتمثلت أعمال الشغب بحرق وتكسير محتويات المركز إثر نقل عدد من الاحداث الى مركز آخر كإجراء من خطة شاملة بدأتها وزارة التنمية الاجتماعية مؤخرا، وهذه الخطة جاءت نتيجة تكرار أعمال الشغب والهروب من مراكز الاحداث وخاصة مركز أسامة بن زيد.
هذا الملف تتعامل معه وزارة التنمية الاجتماعية..فهو ليس جديدا، فسنويا تتعامل الوزارة مع أربعة آلاف حدث متهم بخرق القانون بعضهم موقوفون والبعض الآخر محكومون حيث وصل عددهم ما بين موقوف ومحكوم لـ 2285 حدثا.
هذا الملف دائم الحضور على طاولة وزراء التنمية الاجتماعية، ونتيجة لذلك، وتحديدا هروب عشرة احداث مؤخرا، اتخذت الوزارة إجراءات وصفتها بحل جذري لاعمال الشغب والهروب المتكرر للاحداث.
كان أهم هذه الإجراءات، تجهيز الجناح الخاص في دار تربية وتأهيل مادبا لنقل الاحداث المكررين والخطيرين والمودعين قضائيا ويتصفون بسلوكيات عدوانية بحيث يتم فرزهم وفق الاعمار ونوع الجرم المرتكب.
الوزارة اعتبرت أن أثر هذا الاجراء سينعكس ايجابا على دار تربية أحداث الرصيفة (أسامة بن زيد) من خلال توفير بيئة آمنة مستقرة للحد من حوادث الشغب والهروب المتكررة وسيسهم بالحد من انتقال العدوى الاجرامية فيما بينهم.
غير أنه، وبمجرد أن بدأت الوزارة بتنفيذ الإجراء، حتى شهد مركز أحداث الرصيفة أعمال شغب الاسبوع الماضي نتج عنها حرق وتكسير محتويات المركز احتجاجا على نقل زملائهم.
هنا اضطرت الوزارة تحويل الأحداث المتسببين بأعمال الشغب للجهات القضائية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم لكنه إجراء سيعيدهم الى المركز ذاته كون عقوبات الأحداث لا تخرج عن إطار الحاقهم بالمراكز.
وزارة التنمية الاجتماعية لم تعمم أخبار أعمال الشغب بالمركز على وسائل الاعلام بل اكتفت بإصدار بيان توضيحي لما حدث، كان يتم تزويده لمن يبادر بالسؤال والاستفسار عما حدث داخل المركز مما يعتبر مؤشرا على محاولات الوزارة إبقاء ملف أعمال الشغب والهروب من مراكز الاحداث غير معلن، خصوصا بعد تكرارها بشكل واضح خلال الفترات السابقة وقيام الوزارة باتخاذ إجراءات عدة للحد من تكرارها.
مصدر مختص في الوزارة، فضل عدم ذكر اسمه، أشار الى أن الوزارة مستمرة في تنفيذ الإجراءات الجديدة التي اتخذتها لتشمل مراكز الاحداث جميعها بدءا من اجراء مراجعة للتشريعات المعمول بها في دور وتربية وتأهيل الأحداث والأدلة الاجرائية وتعديلها اضافة الى التركيز على تنفيذ برامج لا منهجية متكاملة للاحداث تهدف الى إشغالهم بأنشطة تؤدي الى الاستغلال الأمثل لفترات توقيفهم أو محكوميتهم من خلال البرامج التعليمية وفتح صفوف تعليمية لمحو الامية والتعليم المنزلي وإلحاق الأحداث الذين تسمح قضاياهم بمتابعة دراستهم الخارجية بالمدارس الحكومية وعمل دروس تقوية لهم داخل الدور.
وبين المصدر أن هؤلاء الاحداث يحتاجون أثناء تواجدهم في المراكز الى برامج مهنية تدريبية تصقل مواهبهم وتشغل أوقاتهم حيث تم البدء بتدريب وتأهيل الأحداث على مهن يدوية كصيانة الخلويات والاجهزة والنجارة والحدادة وهي جميعها برامج هادفة.
كما كانت الوزارة ايضا ومن ضمن الاجراءات الجديدة، أعلنت انها ستقوم بوضع تعليمات جديدة للانضباط في دور تربية ورعاية الاحداث لمنع الاكتظاظ.
غير أن هذه الإجراءات التي بينها المصدر المختص، لم تجب عن سؤال مهم وهو: لماذا هذه الاجراءات جميعها لم تحل دون تكرار أعمال الشغب بين فترة واخرى بمراكز الاحداث، في الوقت الذي بين تقرير لجنة التحقيق الأخيرة بحادثة هروب أحداث من مركز الرصيفة ان الهاربين والذين يقومون باعمال شغب هم موقوفون في تهم بسيطة كالسرقة والمشاجرات.
ما يدل على أن أحداث الشغب بالمراكز ليست مرتبطة دوما بالأحداث الخطيرين بل انها تصدر من قبل الاحداث الآخرين الموقوفين على قضايا بسيطة ولكنهم يتصفون بسلوكات عدوانية ليضع جميع مراكز الأحداث والتأهيل امام تساؤلات مشروعة عن كيفية التعامل مع هؤلاء الاحداث داخل المراكز.
وأظهرت دراسات اجتماعية سابقة تناولت خصائص الاحداث عبر رصد ومتابعة سلوكهم أن الغالبية العظمى من الاحداث الجانحين في الاردن ليسوا من أسر مفككة، فـ 81% منهم يأتون من أسر كاملة مؤلفة من آباء وأمهات وأشقاء مقابل 19% يأتون من أسر مفككة بفعل الطلاق ووفاة أحد الوالدين أو كليهما.
لكن لماذا هذا السلوك الاجرامي للحدث؟
يؤكد الخبير الاجتماعي الدكتور فواز الرطروط أن الدراسات الاجتماعية المتتالية أظهرت أن تعديهم على القانون ناتج عن اعتلال ظروفهم الاسرية واضطراب علاقاتهم باولياء امورهم، و ان غالبية الاحداث من الذكور ونسبتهم 96% وفئتهم العمرية تتراوح من 12-18عاما، في حين أن نسبة الذين يعانون من التفكك الاسري 18% حيث ان خروجهم عن القانون والاعراف الاجتماعية سببه ضعف مستوى تقبل Hبائهم وأمهاتهم لهم مما يجعلهم اقل تعلقا باسرهم واقل اعتقادا بالمعايير الاجتماعية الضابطة لسلوكهم اضافة الى ان اسرهم تعاني من كبر اعداد افرادها واقامتها بالاحياء الحضرية المزدحمة بالسكان والمساكن وانخفاض مستوى دخلها وتسلط اربابها على بقية اعضائها.
وبين أن الدراسات أظهرت أيضا أن الاسر التي تعاني من ارتفاع نسب الطلاق وزواج ابائهم من اخريات غير امهاتهم وزواج امهاتهم بعد الطلاق مرة اخرى اضافة الى تعاطي احد والديهم الكحول، اسباب تقف وراء جنوح الاحداث بشكل او باخر، مبينا ان جرائم السرقة والمشاجرات تشكل ما نسبته 46% من مجموع الجرائم الاخرى.
اجراءات الوزارة الاخيرة التي بدأت بنقل الاحداث الخطيرين وفصلهم عن المنتفعين الاخرين والتركيز على البرامج اللامنهجية لم توقف أعمال الشغب، في ظل واقع ثابت أن جميع المراكز ليست محصنة من أعمال شغب من جهة، ومن جهة ثانية ثبت أن المعالجة يجب أن لا تنحصر بالأحداث الخطيرين، كل هذا يتطلب إعادة تقييم حقيقي لما يحدث داخل هذه الدور والمراكز وتقييم أساليب التعامل مع هذه الفئة طيلة فترة بقائهم بالمراكز التي لا يمر وقت الا ويتكرر بها الهروب او اعمال الشغب الاخرى.