يمضي الشاب جاريد كوشنر بمغامرته الشرق أوسطية، ويقيم مؤتمراً في وارسو جمع فيه العرب مع إسرائيل في مشهد سريالي، فالكلام عن صفقة القرن الخاصة بالقضية الفلسطينية والجانب الفلسطيني غائب، والحديث عن الخطر الإيراني على المنطقة ووزير خارجية اليمن يعير ميكرفونه لنتنياهو ليتحدث.
كثيرون قرأوا وحللوا ما حدث في «وارسو»، ولكني أحب أن أقرأ «وارسو» بطريقتي، حيث حمل هذا المؤتمر أكثر من رسالة أميركية لأكثر من طرف، وهو ما يستوجب التوقف كثيراً عند مؤتمر مليء بالرسائل وفي ذات الوقت يرسم وجه المنطقة ويعيد تعريفها وتعريف خصومها وأعدائها، ويعيد ترتيب تحالفاتها.
قد تكون الرسالة الأميركية الأولى لروسيا، فـ (وارسو) كحلف مضاد للناتو والذي أطلقه الاتحاد السوفييتي قد تفتت، وانتقلت العاصمة البولندية من الحضن الروسي، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، إلى الحضن الأميركي، وهو ما يعني أن المجال الحيوي السياسي والعسكري الروسي قد تم اختراقه أميركياً، وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً لروسيا في المستقبل.
أما الرسالة الثانية فهي للداخل الإسرائيلي، حيث يحاول كوشنر اللعب لصالح بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، والتي ستجرى بصورة مبكرة في شهر نيسان، فجاريد كوشنر يريد تقوية نتنياهو داخلياً من خلال إبراز قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي على الحصول على تطبيع علاقات علنية مع دول عربية دون أن يتنازل قيد أنملة عن سلوكه العدواني، ففي عهده تم الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة من الدول، وتم افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، وسيتم افتتاح السفارة الأسترالية والبرازيلية وغيرها الكثير.
وفي عهده تم إقرار يهودية الدولة الإسرائيلية عبر قانون لم يكن أحد سابقاً يتوقع تمريره والإذعان له من دون صخب، وفي عهده استمرت عملية تهويد القدس بأسرع مما كان متوقعاً، واستمر في بناء المستوطنات وقضم الأراضي الفلسطينية، ووضع يد إسرائيل عملياً على الحرم القدسي الشريف، وفوق ذلك كله استطاع توجيه أكثر من مائتي ضربة صاروخية لسورية من دون وجود رد سوري أو إيراني أو حتى من حزب الله. وبعد هذا كله زار سلطنة عمان زيارة رسمية وكان وزراؤه يجولون في منطقة الخليج حيث يرفع العلم الإسرائيلي وينشد النشيد الوطني الإسرائيلي (هاتيكفاه).
أما الرسالة الثالثة فلنا نحن في الأردن، وهذه بالنسبة لي أخطر الرسائل الموجهة، وهي أن الأردن اليوم يقف وحيداً فعلاً في مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية، فالحرد الفلسطيني لا يبدو ذا معنى، فاتفاقية أوسلو، التي كان محمود عباس أحد عرابيها، هي التي حفرت قبر القضية الفلسطينية، والخلاف الفلسطيني الفلسطيني كان ما وضع القضية في نعشها وسار بها إلى مثواها الأخير.
ودول الخليج ترى اليوم التهديد الإيراني كخطر حقيقي ومحدق يهدد وجودها، وتقبل بالتحالف المعلن مع إسرائيل، حيث لا يبدو السلام العادل والشامل وضرورة تبني حل الدولتين، على أن تكون الدولة الفلسطينية قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية، جزءاً من أجنداتها في علاقتها مع إسرائيل.
أعتقد أن الأردن الرسمي لم يتفاجأ من دفء العلاقة بين دول خليجية وإسرائيل، فالمؤشرات السابقة كثيرة على دفء هذه العلاقات، والأردن الرسمي يدرك أن القضية الفلسطينية لا تشكل أولوية لأي طرف غير الأردن، وأننا منذ أن فقدنا العراق ضمن المنظومة العربية، ورعونة صدام حسين المستمرة في التعامل مع التهديدات التي تعرض لها العراق، فإن منظومة الأمن القومي العربي قد سقطت، وبدأت كل دولة تبحث عن مصالحها الذاتية بعيدة عن أي حسابات عروبية.
اليوم على الأردن أن يدرك خطورة الوضع أكثر من أي وقت مضى، وأن يعيد توزين العلاقات والمصالح مع دول الجوار كلها، وأن يعمل المطبخ السياسي القريب من صانع القرار على اجتراح حلول حقيقية وقابلة للتطبيق بأسرع وقت لتحصين الأردن من «صفقة قرن» قد تعصف بالمنطقة كلها وتدفن القضية الفلسطينية دون جنازة مهيبة.
«وارسو».. كوشنر يدعم نتنياهو بالانتخابات ويهدد الوجود الأردني
11:45 19-2-2019
آخر تعديل :
الثلاثاء