العارفون في فن الطبخ يقسمونه إلى مدارس، هذه المدارس تختلف في تعاملها مع عناصر الطبخة استناداً لرؤيتها ومفهومها عن الطبخ، فهناك المدرسة الكلاسيكية للطبخ وهي أقرب للمدرسة الشخصية تقوم على فكرة أن الطبخ (نَفَس) وتركز على شخص الطباخ، حيث أن المقادير تقديرية ويمكن قياسها بحكم الدراية وتستخدم فيها بعض المصطلحات الخاصة بهذه المدرسة مثل (شوية فلفل، رشة ملح، كمشة بقدونس، إلخ) وهي تؤمن بالفرد (الطباخ) ورغبته وحبه لمن يطعمهم، فإذا كانت (نفس) الطباخ (طيبة) ويحب (المعازيم) سيكون الطعام طيباً والعكس صحيح، أي أن شخصية الطباخ هي البارزة في هذه المدرسة.
المدرسة الثانية في الطبخ يمكن تسميتها بالمدرسة الآلية وهي أقرب للمدرسة الموضوعية، وهي لا تعطي ذات الأهمية لشخص الطباخ بل تهتم أكثر بجودة نوع الخضار والتتبيلات المستخدمة، وبدقة المعايير والنسب وبالتالي يظهر في هذه المدرسة أدوات جديدة كالميزان حيث يتم تحديد الكميات بدقة، ولا يكون ناتجها طعاما لذيذا كما يمكن أن تنتجه المدرسة الأولى (الكلاسيكية)، ولكن ميزتها أنها تضمن أن عدم ارتياح الطباخ للمعازيم لن يؤثر بصورة واضحة على الطعم، فهي وبسبب معادلاتها الواضحة تنتج طعاماً مقبولاً في النهاية.
وبالطبع هناك مدرسة ثالثة وهي المدرسة المختلطة التي تجمع بين المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الآلية، حيث أن الطباخ عليه التقيد بالمعايير الخاصة بالطبخة مع إعطائه هامشاً لإظهار شخصيته ومهاراته الخاصة، ولكن خطورة هذه المدرسة هي أن على الطباخ أن يكون قادراً على اتباع المعايير وتطبيقها بالإضافة إلى امتلاكه لمسته الخاصة و(نَفَسه) الخاص، وإلا فإن النتائج كارثية، ولا يلجأ لهذه المدرسة إلا كبار الطباخين الذين يملكون الرغبة بحفر أسمائهم كأسياد للعبة الطبخ.
أما المدرسة الرابعة فهي المدرسة الوظيفية، هذه المدرسة لا تكترث بطعم الطعام ولا بحرفة الطباخ بل المهم عندها أن يقوم الطعام بوظيفته المرحلية وهي ملء البطون، وغالباً ما يتبناها من لا يجيدون الطبخ ويجدون أنفسهم فجأة في المطبخ، وعليهم عبء إطعام مجموعة من الأشخاص، وتركز هذه المدرسة على نوع معين من الطبخ وهو الطبخ السريع، فلا مبرر للطبخ المعقد والذي يحتاج كثيراً من الوقت إذا ما كانت الغاية من الطبخ ملء البطون فقط.
وإذا تعددت مدارس الطبخ فإن المدارس السياسية المختلفة تحمل في تعاليمها أن على السياسي أن يكذب، بحيث صار الكذب جزءاً متأصلاً في المشهد السياسي على درجاته المختلفة، بحيث صار إبداع السياسي يقاس بقدرته على الكذب والسير قدماً، وكما يقولون على تبديل موقفه كما يبدل معطفه، فالميل للغة الخطابة وتبني الخطاب الشعبوي أو خطاب الشارع لا يعني أن السياسي يتبنى الموقف الشعبي بل أدرك كي يكذب عليهم.
منذ ميكافيللي الذي تسلل بهدوء إلى وجدان كل سياسي ولم يتوقف الأمر عند أميره، صارت عبارته ديدن السياسيين، فهو الذي قال لأميره إذا نظرنا للأمور نظرة صحيحة لوجدنا أن بعض ما يبدو فضائل قد يهلكنا لو طبقناه, والبعض الآخر الذي يبدو من الرذائل قد يسبب سلامة الإنسان وسعادته، وجاء بعده بقرون شخص ليدرك كيف يستخدم الإعلام لمصلحته كذباً، فصارت مقولته لقائده مدرسة متكاملة إنه جوزيف غوبلز وزير الدعاية النازية والذي قال لهتلر ذات تجلٍ نازيٍ «اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس"
الخطر يكون حقيقياً وخطيراً إذا كان من في الطبخ يتبع المدرسة الرابعة من مدارس الطبخ ولا يعلم من السياسة إلا مقولة ميكافيللي السابقة ويعتمد نظرية غوبلز.
الرجاء عدم ربط المقال بأحداث حالية وإسقاطها على شخصيات واقعية، فالمقال يتحدث عن حالة افتراضية لا تتقاطع مع الحالة الأردنية ولا تشير إلى الدوار الرابع، وكل من يفعل ذلك مسؤول شخصياً عن تحليله العميق الذي لم يخطر لي على بال.