احتفل جلالة الملك بعيد ميلاده السابع والخمسين بين أبنائه وبناته في لواء الرمثا، هذه المنطقة الحدودية التي كانت الأسخن طيلة سبع سنوات بحكم الأزمة السورية، ورغم الصعوبات التي يعانيها أهل لواء الرمثا وتأثرهم المباشر بالأزمة السورية من خلال استقبالهم للاجئين السوريين وتوقف العديد من أبواب الرزق بسبب إغلاق الحدود، إلا أنهم اجتمعوا يجددون بيعتهم لمليكهم ويعرضون ما يرون أنه ضرورة لتطوير منطقتهم.
منذ أن استلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية أكد أن الاحتفال عنده يأتي من خلال العمل، فجلالته يريد الإنجاز وإحداث تغيير ملموس للأفضل في حياة المواطن الأردني اليومية، ورغم ما يواجهه الأردن من صعوبات بسبب ظروف الإقليم والدول المحيطة وما يخلقه ذلك من تحديات إلا أنه ظل صامداً وقادراً على التحرك نحو الأمام.
ما أثار دهشتي هو الفارق الواضح بين رؤية جلالة الملك لدور المجتع المحلي في تحديد إشكالياته وآليات حلها بصورة تنموية حقيقية تنعكس على اللواء جميعه وما تقدم به المتحدثون من مطالب، فالمطالب بمعظمها مطالب خدمية تكررت وتقاطعت لدى معظم المتحدثين، وهو ما يدل على أن التصور التنموي الحقيقي ليس متغلغلاً في فكر المواطن الأردني بصورة عامة، مع وجود استثناء لشخص قدم تصورات لشراكات منتجة بين الجهات الرسمية والقطاع الخاص، بحيث تعود الفائدة على الطرفين، وتوفر فرص عمل للشباب العاطل عن العمل.
المشهد كان معبراً اليوم عن الإشكالية التي يعانيها الأردن، وربما يؤشر بوضوح لصعوبة عملية الانتقال إلى الأمام، فمن ينظر إلى القاعة التي تجمع بها الحضور يجد أن حضور من تجاوز الخمسين من العمر كان كثيفاً، وحضور الشباب كان قليلاً، والحضور النسائي كان تمثيلياً، وهو ما يشير إلى أن المجتمع الأردني ما زال مجتمعاً ذكورياً أبوياً، وهو ما يمنع تقدم المرأة والشباب، وهما عنصرا التغيير في الأردن، وقوتهما ما تزال غير مستغلة، وتواجه عوائق مجتمعية.
والذي لفت انتباهي بشدة هو تدخلات جلالة الملك أثناء إلقاء الكلمات أو بعدها، حيث كان تعليق جلالة الملك على القضايا المثارة بالكلمة واضحاً وحاضراً، وكذلك إعادة تأكيده على البعد التنموي كان وسيلة لإعادة الكلمات إلى السياق الفعال البعيد عن المدح والتبجيل.
لا أعرف ما الذي خطر ببالي كي أتذكر أنه في ذات التاريخ الذي ولد به عبدالله الثاني، ولكن قبله بتسع سنوات، كان مجلس الأمة يقر الدستور الأردني، وهو الذي ما يزال سارياً حتى اليوم، والسؤال هو أليس من الضروري وجود احتفال رمزي وذي دلالة للاحتفال بإقرار الدستور الأردني، نحتفل بمنجزنا الحضاري، نحتفل بدولتنا/ مملكتنا، هذا الاحتفال الذي يمثل لنا جرساً لنصحو ونقدر على التفريق بين ما نمارسه من نقد إيجابي وما نمارسه من جلد للذات وللوطن، فما يحدث اليوم من حالات انتقاد يتداخل فيها الأمران، لا بل صار جلد الذات أظهر وأوضح، مما أدخل المواطن الأردني في نفق (نفسي) معتم، وأثر على الحالة المعنوية له، فلم يعد قادراً على الرجوع إلى الضوء والخروج من النفق وفي الوقت ذاته لم يعد يطيق البقاء في العتمة.
في مثل هذا الوقت المفصلي لا بد من الدولة أن تأخذ عدة خطوات لرد الروح الإيجابية للشعب الأردني، وأرى أن من أبرز الخطوات هو إعادة الهيبة للمناسبات الوطنية، وضرورة الاحتفال بها، ولنبدأ من يوم 30 كانون الثاني، هذا اليوم الذي يجمع ذكرى إقرار الدستور الأردني وعيد ميلاد الملك عبد الله الثاني، فهو يوم وطني بامتياز، وليكن هذا اليوم مناسبة وطنية تحت عنوان (يوم الدستور والملك)، فهو تأكيد على أهمية الدستور ورفعته، وتقدم الدولة عبر احترامها لدستورها، واحتفال بعيد ميلاد الملك عبد الله الثاني لأنه رمز الدولة وحافظ الدستور، وضامن تنفيذه.
فجلالة الملك عبدالله الثان أبى إلا أن يتوج حكمه بتعديلات دستورية حضارية أعادت بث الروح في الدستور عبر إزالة اعتوارات أصابته لم تكن من صنع يدي عبد الله الثاني وأعادت الدستور إلى مكانه الطبيعي أباً للقوانين كلها وروحاً للدولة/ المملكة، واستطاع بجرأة المؤمن وشجاعة الفارس وحكمة الملك أن ينتصر للوطن الأردن والمواطن الأردني عبر انتصاره للدستور، فمن أحق من هذا الملك بأن يحتفل بعيد ميلاده مع الاحتفال بالدستور في يوم واحد يجمع روح الوطن وحافظها وحارسها؟
عبدالله الثاني والدستور.. من الرمثا إلى الوجدان
11:00 30-1-2019
آخر تعديل :
الأربعاء