ما يحدث اليوم في العالم يقودك الى الجنون أو الى الكتابة للنجاة. انا ارى العالم في مشهد سريالي غير مسبوق.. واذا كانت السريالية تعني فوق الواقع، فأنا أرى العالم يقف على رأسه وكل الأمور فيه مقلوبة. يمكن ان يهب العالم غاضبا لاغتيال فرد أو اعتقال شخص، ولكنه يصمت امام ذبح شعب أو احتلال دولة او تدمير بلاد باسرها، وكل شيء مبرر.
هذا المشهد اللامعقول أصابنا بالاحباط أكثر من أي وقت مضى، هوالاحباط الذي يحدث جفافا في المخيلة، ويفقدنا شهوة الكتابة، ويغرقنا في اليأس، ويغتال الأمل، لأن لا احد يقرأ ولا احد يسمع في عالم تتقدم فيه المصالح على حقوق الانسان، والقوة تلغي الحق والقوانين وتتجاوز الشرعية الدولية. هذه القوة الغاشمة المتمثلة بالرأسمالية المتوحشة بقيادة الولايات المتحدة لم تبق لنا مدينة آمنة، ولا حياة هادئة، ولا حتى الحلم بمستقبل افضل في عالم مجنون.
لذلك ارى الكتابة ضرورة للنجاة ولأعرف أنني ما زلت على قيد الحياة، فالكتابة حياة وقضية، وقضيتنا القومية المركزية ما زالت في ساحة الصراع المحتدم، ولن تنجح المحاولات الصهيونية الساعية لطردها من الوعي العربي العام، بعدما فشلت كل الجهود الهادفة الى اقتلاعها من ذاكرة الأجيال، لذلك يجب أن يبقى الحلم والاصرار والتفاؤل المنبعث من هذا الشقاء، ومن رحم المعاناة.
اسمحوا لي ان أكتب عن فلسطين اليوم لسببين ليس لهما علاقة بالتطورات الفلسطينية الداخلية، مثل استقالة الحكومة، أو الانقسام السخيف، أو الحديث الممل عن المصالحة، حتى لو كان برعاية موسكو. في خضم هذا الواقع الفلسطيني المحزن المعيب الذي لا يسفر الا عن خيبة عامة، يريد المشرّع الأميركي منع مقاطعة اسرائيل بقانون، وفرض عقوبات على كل من يدعو للمقاطعة واتهامه بمعاداة السامية، دون أن يدري المشرّع في واشنطن أن بلاده تعادي السامية عندما تمنع الشعب الفلسطيني من اقامة دولته وتقرير مصيره، هم يمنحون الحق لكل يهودي بالهجرة الى فلسطين وفي ذات الوقت يحرمون الشعب الفلسطيني من حق العودة الى ارضه ودياره وبلاده.
السبب الآخر يتعلق برفض نتنياهو التجديد والتمديد للجنة الدولية في الخليل، وهذا الموقف يكشف عن نواياه الخبيثة تجاه مدينة خليل الرحمن، وهذا يعني أنه سيتخذ اجراءات بشأن الخليل دون وجود شهود. حكومة اليمين المتطرف عينها على الخليل بعد القدس. فعندما ضمت اسرائيل القدس وعملت على تهويدها واعلنتها «عاصمة أبدية» او عاصمة لكل اليهود، كانت ردود الفعل الفلسطينية والعربية والاسلامية والاقليمية والدولية باردة متواضعة ومحدودة، فلم يغضب أحد، وبدل الرد العربي الجاد تم فتح الأبواب العربية أمام التطبيع المجاني.
هذا الحال المتردي المشين، سيشجع نتنياهو على الشروع في تنفيذ «سيناريو القدس» في الخليل، وأعني أنه سيفتح المدينة امام الاستيطان المكثف، ومضايقة الأهالي ومصادرة المنازل وارغام اصحابها على الهجرة لتهويد مدينة خليل الرحمن على طريقة بيت المقدس. كل ذلك سيحدث دون ان يتوقف الحديث عن حوار او تفاوض مع الاحتلال، وهم يعرفون أن اسرائيل كيان مريض يمارس عقدة النازية ضد الشعب الفلسطيني بلذة سادية، كما يعرفون أن سلوك قادة اسرائيل يتنافى مع القيم الديمقراطية والأخلاقية والانسانية. في النهاية، كما في البداية، اهل الخليل سيتصدون للمشروع الصهيوني وخرافته المسلحة، لأنهم يدركون اللغة الاسرائيلية الجديدة في غياب خيار فلسطيني واضح وغياب عربي شامل. هم وحدهم سيرفضون الابتزاز الاسرائيلي ويفشلون المشروع الصهيوني الساعي الى تهويد المدينة وتغيير هويتها، فهم يعرفون خيار الانتفاضة المصنوع من الصبر والصمود والشقاء، دفاعا عن مدينتهم وهويتهم وكرامتهم وجذورهم التي يصعب اقتلاعها.