منذ بواكير ملكيته الهاشمية الرابعة، حرص جلالة الملك على بثِّ الأمل والإيمان في نفوس شعبه وهو القائد العسكريّ المُلهِم المؤمِن بضرورة غرس العقيدة وأساسيّتها في تحقيق الإنجازات ومواجهة الصعوبات.
وعلى خطى الباني العظيم الحسين طيب الله ثراه، أدرك الملك المُعزِّز حفظه الله حتميّة السَّير نحو التطوير وتغيير نمطية الأداء لمواجهة العوامل التي تُنذِرُ بتغييرٍ مقصودٍ في مراكز القوى على مستوى العالم، مراهناً على هِمَمِ وقدرات أبناء شعبه وبناته الذين قامت بسواعدهم دولٌ عدّةٌ حول العالم ونهضَت.
أسفرت الجولات الملكية في أرجاء الوطن الأشمّ عن تلمُّسِ جلالته لحاجتين ملحّتين تختلِجان صدور أبنائه وبناته، الأولى رغبة صادقة في التخلص من القيود المكبِّلة الموَجِّهة لإختيار نائبٍ من المكوِّن الديمغرافي المُغلَق وما يواجه محاولات الخروج عن هذا الإطار من حرجٍ إجتماعيّ، و الثانية إحباطٌ يُرَدُّ إلى تجريدِ الشّعب من حقِّ توجيه التنمية وفقاً لحاجاته رغم ثقافته وأهليّته وإستئثار السُّلطتين التشريعيّة والتّنفيذية بهذا الدّور، فجاءت التوجيهات الملكيّة لتطابق الآمال الشعبيّة بمغادرة مربّع الصوت الواحد وإجتراح «اللامركزية» لتصوّبا المسار وستنجح كلا الفكرتين بعون الله بعد إكتمال البنيتين التشريعية والفنية اللّازمتين وتماهي الشّعب و القوى مع ما إستُحدِث من أدوات .
و على صعيد التَّنمية، فما من بقعة حول العالم إلّا وتشهد لجلالته بتسويق الأردن واستقطاب الاستثمار الخارجيّ إلى أرضه، وما تكثيف الجهود التي أسفرت عن إنضمام الأردنّ إلى منظّمة التجارة الحرّة و توجيه التنمية نحو المحافظات كي تنال نصيبها من التطوّر والنّموّ عبر إقامة المناطق التنمويّة الخاصّة ونشر الجامعات كمنارات علمٍ مضيئة على مساحات الوطن، وإيواء الضعفاء بمساكن تحفظ كرامتهم وتقيهم لهيب الصيف وبرد الشتاء، وتوجيه الصناديق لتمكين شباب الوطن المتحفّز للعمل والإنجاز و غيرها من منجزات إلّا دلائل ساطعة على همٍّ ملكيٍّ و هاجسٍ بغدٍ أفضل يستحقّه هذا الشعب الوفيّ القادر على التطوّر والنماء.
وكقائدٍ أعلى لقواتنا الباسلة وبسِبرِ الوفاء الهاشميّ لرفاق السّلاح، حافظت قوّاتنا المسلحة على حرفيّتها وجهوزيّتها العالية وتطوّرت خبراتها وقدراتها ورُفِعَت رواتب عامليها ومتقاعديها بما توفَّر من إمكانات بالأمر الملكيّ، فشرفُ الجنديّة وعشق ميدانها لا يفارقان وجدان القائد وسُلّم أولويّاته وما الدّمع المتسلّل من عينيه حزناً على فراق الرفاق من الشُّهداء الأبطال إلّا غيضٌ من فيض الوفاء والإباء، كما تتابعت مسيرة حفظ السلام والأمان حول العالم ليصدّر الأردنّ الإستقرار ويبقى الملاذَ لمن إستجار والنِّدَّ لمن تجاوز أو جَار.
لم يكن الطريق معبداً بالورود، إذ كشف كتاب الملك «فرصتنا الأخيرة» عن مصاعب ومطبّاتٍ صناعيّةٍ جمّةٍ وأجابت عباراته الملكيّة عن الكثير من التساؤلات التي تفسّر العديد من المشاهد وتشخّص بعض العقبات الداخليّة والخارجيّة، ومنها أقتبس قول جلالته» في بدايات تعاملي مع كبار المسؤولين في الحكومة كان بعضُهم يقول لي إن لديه مشاريع كبرى لتحسين العمل الحكومي و الأوضاع عموماً، لكن حين كنت أسأل (متى)؟، قلّما جائني الجواب مُرضياً أو شافيا. من هُنا تلقيتُ الإشارة الأولى بأن الحكومات لا تعملُ كما تعمل الجيوش »، و جاء الكتاب كاشفاً لتفاصيل لم نكن نعلم أيّاً منها، كمحاولات إغتيال الراحل العظيم ومحاولة اغتيال جلالته كذلك لكن أجمل ما احتوى هو إنصاف الحسين القابض على لواء العروبة في كثيرٍ من المَوَاطن منها أن كثيراً من زعماء الأمة الذين هاجموا السلام في حينه كانوا يطالبون الحسين للتوسط بينهم و بين الإسرائيليّين ! وفي هذا تبيانٌ لِلَقَبٍ إستحقّه الأردنّ بجدارة الحسين «سلام الشُّجعان»، وعلى خطاه المباركة يحفظ ابا الحسين وابن الحسين راية القدس ومقدّساتها رغم وعورة الطريق وتعاظم التّحدّيات.
وفي محيطٍ ملتهبٍ تتلاطمه الأمواج من كلّ حدبٍ وصوب، تكون البطولة بقدر ما يحقن الحاكم من دماء شعبه مجنّباً إيّاهم المهالك و شرور الحروب والفتن بالحكمة والسياسة المعتدلة، وفي آنٍ معاً رأسٌ مرفوعٌ وحضورٌ مَهيبٌ وجبهةٌ عصيّةٌ يخشاها القاصي والداني، تلكُم معادلةٌ سياسيّةٌ صعبةٌ لا يتقنها سوى الهاشميّين.
ما زال الملك المنذور لخدمة شعبه و أمّته، يضرب الأمثال جميعها في محاسن الخلُق والعمل كخير خلفٍ لخير سلف، يطوف الوطن للوقوف على حاجيات أهله و يحاور الأطياف جميعها دون حاجز أو مانعٍ ويهبُّ موعزاً ببذل أقصى الجهد حفظاً لروح أردنيٍّ في الوطن و خارجه، و يفتح الطرق نحو العدالة الناجزة الكاسرة لظهر الفساد، و يحفّز حتّى أشقائه من أصحاب السموّ ليكونوا القدوة و يغادروا مواقع المسؤولية لدى الإستحقاق أسوة بأشقائهم من أبناء الشعب وبناته، ملكٌ يتجاوز التابوهات ليدفع بالأجيال إلى المشاركة وإعلاء صوت كلمة الحق المتفقة والقانون، يبادر بالرّأي ليستمع إلى الآخر دون تكلُّفٍ أو هرميّةٍ أو إستعلاء، إنّما بالأدب والحُلُمِ الهاشميّين ويبدِّل المسؤول تلو المسؤول سعياً نحو الحُلُمِ المأمول بواقعٍ يستحقّه شعبٌ جبّارٌ مخلصٌ غيور.
ملكٌ نَظلِمهُ إن إختزلنا ما تقدّم من سيرته ومسيرته الطويلة بإذن الله في مقالٍ أو حتّى كتاب، إنّما هو جزءٌ يسيرٌ من باب ردِّ الفضل لأهله وما جزاء الأحسان إلّا الإحسان، فما من مخلوقٍ يرتهن سروره وسخطه برضى أبنائه أو شكواهم سوى الأب، فإليك يا أبا الأردنيّين، من عرينك الشامخ بلد السلام والوئام نُقرِئُك السّلام، و كلُّ عامٍ وجلالتكم والأردنُّ بخيرٍ وصحّةٍ وسلام.