ذات يوم سافرت من مدينة وارسو إلى مدينة في شمال بولندا تدعى (كاراكوف) ، المسافة بين العاصمة وهذه المدينة تحتاج إلى ما يقارب (3) ساعات في القطار ، وهناك تلمح مساكنا ريفية ومزارع، وغابات على مد النظر ، والغريب أني لم ألمح أبدا مواطنا جالسا، فكل من شاهدتهم كانوا يعملون ، إما بقيادة الجرارات الزراعية ، أو جمع البرسيم ..أو إدخال قطعان البقر للحظائر .
تذكرت أيام صباي ، وأيام الجامعة حين كنت أذهب للكرك ...فعلى جانب الطريق يوجد مجموعة من (التريلات) ، ومجموعة من السائقين قد جلسوا بجانب واحدة ، وجميعهم يرتدون دشاديش بيضاء ، ويعدون (قلاية) بندورة ..وكنت أحيانا، أقف مع أبي فلديه صداقات مهمة مع بعضهم ..وأستغرب أن (التريلا) تحتوي على مطبخ وغاز ومجموعة من الصحون ..
ذات مرة شاهدت بدويا يحمل (جركن كاز) ، لوح بيده لأبي ..وصعد معنا السيارة ، أنا لا أعرف من أين جاء فالمنطقة التي كان يقف فيها جرداء خالية من أي مظهر للحياة ، والغريب أنه قرر النزول بعد مايقارب الـ( 20) كيلو في منطقة جرداء أخرى ، من أين جاء وإلى أين ذهب لاتعرف .
كلما قرأت خبرا، عن الطريق الصحراوي والتفاخر بحجم ما أنجزته الحكومة شعرت بالحسرة، فنحن إنجازنا الإسفلت فقط ، وكان بإمكاننا أن نطلب من كل شركة ، مشاركة في مشروع تأهيل الطريق الصحراوي أن تزرع ألف شجرة على جانب الطريق ، وهذا ربما لن يكلفها الكثير ..كان بإمكاننا أن نطلب من كل شركة، بناء معلم على جانب الطريق ..ولكننا ننجز في الإسفلت وننسى أن ننجز في الحياة .
الأرض في الجنوب ليست ملحية ، وليست عصية على الزراعة أبدا ..كان بإمكاننا أن نغير من ملامح الأرض قليلا، أن نزرع ولو القليل من الشجر الحرجي بجانب خط مياه (الديسي) ، ولكننا قفزنا عن كل ذلك ..لتأسيس مسارب للشاحنات ومسارب للتوقف المفاجئ .
في كل دول العالم حين تسافر من مدينة لأخرى، تبقي عينيك على جوانب الطريق ، وأنا منذ أن ولدت وكلما توجهت صوب الجنوب ، ظلت عيني على الطريق ذاتها ..فالجوانب مجرد قفر ، خال من الحياة ...
ياترى متى سنستثمر في الحياة ذاتها ؟